«تمرد» ضرة «الربيع الديمقراطي» – اليوم 24
حسن بويخف
  • حسن بويخف يكتب: حتى لا تنفجر الأسر في ظل الطوارئ الصحية!

  • حسن بويخف

    «تمرد» ضرة «الربيع الديمقراطي»

منوعات

«تمرد» ضرة «الربيع الديمقراطي»

 والثانية أنه جاء دون أن يتوقعه أحد، دولا ومراصد وخبراء. والثالثة أنه استعصى على الصناعة والفبركة والاستنساخ والتقليد، وظل وفيا لطبيعته المعبرة عن إرادة خالصة وحقيقية لشعوب خنقها الفساد والاستبداد، وتعبت من الانتظار وقررت التحرر. الرابعة أنه، وإن كان غير قابل للاستيراد والاستنساخ، فهو قد ينتقل بـ«العدوى» بين الشعوب بناء على العوامل المشتركة بينها، واعتمادا على عامل التحفيز. وإبراز هذه الخصوصيات مهم للغاية في كشف علاقات النسب بين «الربيع الديمقراطي» وبين أي حراك يراد نسبه إليه. 

لقد تتبع الجميع الفشل الذريع الذي منيت به كل محاولات «التقليد» لاستنساخ حراك «الربيع الديمقراطي»، وإلى اليوم مازال الرصناء من الخبراء والمحللين يتحفظون على إطلاق الأحكام الوثوقية حول كيف وقع ما وقع؟ 

واليوم تنطلق مشاريع «التقليد» لفبركة حراك شعبي جديد يراد له أن ينسخ حراك «الربيع الديمقراطي»، حراك يقتفي أثره بزعم تحصين مكاسبه واسترجاع «مسروقاته»، لكنه، وهو يختلف معه جملة وتفصيلا في خصوصياته، يسعى في حقيقته إلى وقف ديناميته وتشويه منجزاته. ويتم تأسيس السند الشعبي لهذا الحراك الجديد انطلاقا من الزعم بأنه «الموجة الثانية» لذلك الربيع. وتنطلق حملات التبشير به وحملات تسويق منتجه السياسي، الذي تم تجريب «نجاعته التخريبية» في السوق المصرية، تحت اسم تجاري (ماركة) هو «تمرد». ولم يعد خافيا اليوم أن «تمرد» في العمق ليس سوى واحد من المنتجات السياسية لمشاريع أعدت سلفا في مختبرات ما تبقى من الأنظمة الديكتاتورية التي جاء «الربيع الديمقراطي» ليسقطها أو يصلحها على الأقل، وفي تآمر واضح مع قوى إقليمية أصبحت مهددة في ظل الخريطة السياسية الجديدة التي أفرزها حراك الشعوب في المنطقة. وبمباركة علمانيين متواطئين، وتمويل خليجي تم الإعلان عن الظاهر من مبالغه القياسية بشكل رسمي.

وتناسل مروجو المنتوج السياسي «تمرد»، وانخرط «إعلام الاستبداد»، الذي لم تنل منه موجة الربيع الديمقراطي، في الدعاية المجانية له بسخاء منقطع النظير، وانبعث «سحرة فرعون» من تحت رماد ما خلفته نيران البلطجية إبان حراك «الربيع الديمقراطي»، من مرتزقة الفكر والتحليل، يزينون للناس سوء «تمرد»، وظهرت أولى عيناته في الأسواق السياسية في وقت قياسي، وخاصة في كل من تونس والمغرب. وتعالت أصوات علمانيين بالتبني والترحيب لأنهم رأوا فيه فرصة لـ«تقوية عضلاتهم» المترهلة، واستعادة «حلمهم الديمقراطي» بتعويضهم عما عجزوا عن تحقيقه عبر صناديق الاقتراع. 

إن أولى الملاحظات في المقارنة بين «الربيع الديمقراطي» وضرته «تمرد»، أن الأول جمع كل حساسيات المجتمع ووحد بينها، والثاني بصدد تقسيم المجتمع وتهديد كيان الدول. الأول تؤطره قيم السلمية والحب والرغبة في بناء الأوطان، والثاني تحمله أمواج عاتية من الكراهية والعنف والرغبة في استئصال الآخر المخالف. الأول تحميه أذرع الشباب وحناجرهم وتحفه آمال الشعوب، والثاني تحميه بنادق العسكر ووسائل إعلام الاستبداد، وينشر الخوف والقلق حول المستقبل. الأول كان حراكا موحدا في خندق الشعب في مواجهة الفلول في خندق السلطوية والفساد والاستبداد، والثاني انقسم فيه الحراك إلى خندقين، خندق الشرعية ومكاسب الربيع الديمقراطي، وخندق تحالف ضمنه ما تبقى في خندق الفساد والاستبداد والفاشلين في استحقاقات «الربيع الديمقراطي» الشعبية، والمتربصين بحكومات يقودها إسلاميون جاءت بهم صناديق الاقتراع. الأول عانت حكوماته حملة حصار اقتصادي ومالي غير معلنة، والثاني فتحت له خزائن «البترودولار» وتسابقت دول الخليج الأكثر تطرفا تجاه «الربيع الديمقراطي» إلى مده بملايير الدولارات في زمن قياسي… 

ليس الهدف هنا هو تتبع أوجه المقارنة التي تكشف حقيقة «تمرد» الذي يكفي أن تباركه دول خليجية معينة ليستحق اللعن والرفض، ولكن لبيان أن «تمرد» ليس أكثر من مشروع سياسي بإخراج شعبي ملفق للالتفاف حول «الربيع الديمقراطي». لكن، وكما انتهت محاولات الاستيراد والتقليد زمن «الربيع الديمقراطي» إلى الفشل الذريع، ليس أمام سلعة «تمرد» سوى الكساد.

فهل يتعظ المغامرون عندنا من أن محاولات التقليد والاستنبات ستواجه الفشل الذريع، وأن كل ما قد ينجحون فيه من خلال تلك المغامرات هو التخريب؟