«حكومة ولي العهد» في ميزان السياسة والدستور – اليوم 24
مولاي الحسن
  • جرائم تهز الاغتصاب

    دعوات إلى تعزیز إجراءات حمایة الطفولة وتعریة حقیقة الاغتصاب

  • سعيدة الكامل تكتب: المضربون عن الطعام شرهون!

  • محامون

    المحامون يطلبون المساعدة لتجاوز محنة “كورونا” وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية

الرئيسية

«حكومة ولي العهد» في ميزان السياسة والدستور

كان سؤال الكفاءات في تدبير الشأن العام مطروحا منذ الولادة العسيرة للحكومة الحالية، وظل يختفي ويظهر مع اشتداد الأزمات الاجتماعية وخفوتها أحيانا، خاصة حينما تكون هناك حركات اجتماعية وإضرابات وما قد يرافقها من تدبير أمني تنجم عنه اعتقالات وجدل حول هامش الحريات في المغرب من جهة، وحول ضبط النظام العام من جهة أخرى. وقد تشكلت الحكومة الحالية مع ولادة أكبر حراك اجتماعي عرفه المغرب في أكتوبر 2016 بالحسيمة، حيث وضعت الثقة في المؤسسات التمثيلية، وما تزنه النخب السياسية حينما تشتد الأمور، على المحك، وبرزت أزمة الوساطة، حيث لم يفلح أي وسيط في رأب الصدع. ومنذ زمن حراك الريف الذي عفا الملك أخيرا عن بعضه معتقليه، في حين لايزال آخرون ينتظرون، إلى زمن تدبير الجائحة، طفا سؤالا حكومة «وحدة وطنية» و«حكومة كفاءات» على سطح المشهد السياسي.

في الخطاب الأخير للملك محمد السادس، أكد استثنائية الظرف الذي يمر منه المغرب، واستندت بعض الآراء إليه لقول إن زمن الاستثناء يتطلب كذلك «شخصيات استثنائية»، ورأت أن الساحة السياسية ليس فيها من يجمع بين الإجماع والفعالية، وبرز مقترح ترؤس ولي العهد حكومة وحدة وطنية، وهو رأي يقول بشأنه أستاذ القانون الدستوري، غسان الأمراني، إن «المغرب يتوفر في الأصل على حكومة وطنية، مشكلة من ستة أحزاب، إذا كانت هذه الحكومة ليست حكومة وحدة وطنية، فما هي هذه الحكومة إذن؟ أنا أعتبرها حكومة ائتلافية تضم جميع الأحزاب، باستثناء الأحزاب الموجودة في المعارضة، هذا أولا، وثانيا فهذا طرح غير دستوري، لأن الدستور يقول إن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، فإذا كنا سنتحدث عن حكومة بقيادة ولي العهد، فهذا يستوجب تعديل الدستور».

«ولي العهد ينبغي أن يبقى في منأى عن هذا المعترك السياسي والإجماع يأتي عن طريق الانتخابات«

وإذا كان طرح ترؤس ولي العهد حكومة وطنية «ليس في محله» من الناحية الدستورية والقانونية في نظر الأمراني، فمن الناحية السياسية يعتقد أنه «بغض النظر عن أزمة كورونا والخطاب الملكي الأخير، فولي العهد في منأى عن هذه المسألة، فبعد عمر طويل لوالده سيكون ملكا، وبالتالي، فإدراجه في هذا المعترك السياسي مجانب للصواب، إضافة إلى أن هناك انتخابات وصناديق اقتراع هي التي ستحسم»، أما مسألة الشخصية التي تحظى بالإجماع، فـ«الإجماع يأتي عن طريق الانتخابات»، يقول الأمراني، متشبثا بالطريق الانتخابي لتحديد من يقود الحكومة، لافتا الانتباه إلى أن التحجج بـ«الظرفية الاستثنائية سيصبح مبررا للمعارضة للقول في أي مرحلة إننا في ظرفية استثنائية»، فحكومة وحدة وطنية، في نظره، تكون غالبا في ظرفية حرب أو في ظرف يتجاوز منطق الانتخابات، «نحن لسنا في ظرفية حرب، وحتى هذه الحكومة الوطنية من أين ستأتي؟ ستأتي من الأغلبية البرلمانية نفسها، ولن ينقصها سوى حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، أما الأحزاب الأخرى فكلها موجودة، أشاطر الرأي الذي يقول إن هناك فشلا ذريعا لهذه الحكومة في تسيير هذه الأزمة، وغيرها من الملفات، ولكن يجب الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، يجب التمسك بالمنهجية الديمقراطية، وعدم إقحام ولي العهد أو المؤسسة الملكية في هذا النقاش، لأن ذلك، من الناحية الدستورية، غير ممكن، أو وجب تعديل الدستور لتفعيل هذا الطرح».

يجب الحفاظ على الأقل على الواجهة الديمقراطية فإزالتها سيضر بصورة المغرب

من يقترحون تولي ولي العهد رئاسة الحكومة «يعيدوننا إلى الستينيات»، يقول الأمراني، والحل للخروج من الوضع الحالي هو الآليات الدستورية، «يمكن أن تقدم المعارضة بملتمس رقابة، وتسحب الثقة من الحكومة وتسقطها، وهذا هو الحل الدستوري، وحينها نعلن انتخابات سابقة لأوانها، وتتشكل تشكيلة جديدة، هذا هو رأيي القانوني، وحتى من الناحية السياسية، فذلك الطرح سيعطي صورة سيئة عن المغرب، ويجب الحفاظ على تلك الواجهة. هناك انتخابات وسياسيون في السلطة، فهذا يعطي على الأقل هذا الانطباع الخارجي، أما إزالته هو كذلك، فسيضر بصورة المغرب أكثر».

الكلام عن حكومة كفاءات تحصيل حاصل

الحديث عن حكومة كفاءات هو تحصيل حاصل في نظر البعض الآخر، فمن يدير الأزمة أصلا هم خبراء تقنيون والسياسيون «تركوا أمرهم» لهذا النوع من التسيير، وهو الرأي الذي عبر عنه أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض بمراكش، هشام برجاوي، في حديث مع «أخبار اليوم»، قائلا: «كان يمكن أن نتحدث عن حكومة كفاءات لو أنه كان للسياسيين دور بارز، سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد الجماعات الترابية، أو أنه كان لهم دور محوري في تدبير حالة الطوارئ الصحية، لكننا نرى أن التدبير العملي والإجرائي والجوانب التقنية للجائحة موكل إلى موظفين تقنيين متخصصين، حيث أنشأت الحكومة لجنة اليقظة الاقتصادية، وهي مكونة من نخبة تقنية وموظفين متخصصين من وزارة الاقتصاد والمالية لمعالجة الآثار الاقتصادية للجائحة، ضمنهم موظفون من وزارة الاقتصاد والمالية، وفيها أيضا ممثلون للقطاع الخاص، وفي الجماعات الترابية لاحظنا أن تنزيل التدابير التي اتخذتها الحكومة تولاه رجال السلطة، من باشاوات وعمال وولاة… إذن، فالدور الذي ستقوم به حكومة الكفاءات يتجلى في إعطاء صيغ تقنية للخروج من الأزمة بأقل الخسائر، وهو ما قام به المغرب طيلة هذه المدة».

لسنا أمام أزمة سياسية أو أزمة مشروعية حتى نتحدث عن حكومة وحدة وطنية

وهكذا يبدو أن الحديث عن «حكومة كفاءات» كأنه إخراج للعمل التقني إلى مضمار تحمل المسؤولية السياسية، وقد يكون مفيدا للسياسيين الذين تحمل بعضهم وزر ما لم يفعل أو جنى حسنات لم يكن له يد فيها، لكن برجاوي يرى أن «نخبتنا السياسية غير مؤهلة حاليا لتسيير أزمة من هذا النوع، والفاعل السياسي، سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد الجماعات الترابية، غير مؤهل لتدبير هذا النوع من الأزمات، وسؤال النخبة ودور الأحزاب المحدود في صناعة نخبة مؤهلة للتسيير مطروح بشدة، وفي الخطابات الملكية هناك حث في مناسبات عديدة للأحزاب على محاولة خلق نخب مؤهلة لتسيير الشأن العام، الذي صار تقنيا أكثر من كونه سياسيا، فلجان التتبع التي أسندت إلى رجال السلطة ولجنة اليقظة أثبتت إلى حد الآن فعاليتها».

إذا كان تدبير الأزمة موكولا أصلا إلى أيادٍ تقنية وليس إلى السياسيين، فما الذي يجعل النقد يوجه إلى الأحزاب عن «ذنب» لم تقترفه؟ ولماذا لم تُحمل مسؤولية «الفشل الحالي»، الذي كثر الحديث عنه، للتقنيين ممن يمسكون بزمام أمور الجائحة ومخلفاتها؟ يرد برجاوي بالقول: «أنا لا أتهم الحكومة بالفشل ولا بغير الفشل، لكني أقول إن التسيير العملي والإجرائي لإدارة الأزمة يبدو لي متوازنا، لأنه أوكل إلى متخصصين، وطبعا تحت إشراف الحكومة، وهل هناك دولة أحدثت حكومة كفاءات لتسير الأزمة في الدول المتقدمة وفي الديمقراطيات العريقة؟ لم نرَ دولة أنشأت حكومة كفاءات ولا حكومة وطنية، فهذه ليست أزمة سياسية أو أزمة مشرعية».

آن أوان إخراج مجلس الأمن إلى حيز الوجود الذي يوكل إليه الدستور إدارة الأزمات

هناك فصل في الدستور لم يجر تفعيله، يتحدث عن مؤسسة دستورية تدير الأزمات، هي مجلس الأمن الذي يخوله الفصل 54 تدبير الأزمات، يقول برجاوي: «آن الأوان لإخراج هذه المؤسسة الدستورية إلى حيز الوجود، لأنه حينما نقرأ الدستور نجد أن اختصاص تدبير الأزمات موكول إلى مجلس الأمن، ويجب تفعيل هذا الفصل»، أما الرأي القائل إن المغرب ليس أمام أزمة مشروعية سياسية، فيقابله موقف آخر يرى أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية خلقت منذ مدة أزمة ثقة، ما يحيل إلى أزمة سياسية متخفية تطفو تجلياتها بين الفينة والأخرى، وهو ما يعلق عليه برجاوي بالقول إن «أزمة الثقة في المؤسسات موجودة قبل زمن الجائحة، وأزمة النظام التمثيلي برمته ليست حكرا على المغرب وحده، بل توجد في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا.. فحتى في أعرق الديمقراطيات يعاني النظام التمثيلي. هناك أزمة ثقة في المؤسسات المنبثقة عن المؤسسات التمثيلية، وهذه ظاهرة يمكن أن أقول إنها صارت كونية»، ويختم كلامه عن السياسيين بالقول إن أحدا «لم يمنع البرلمان من ممارسة مهامه خلال فترة الطوارئ، هل مُنع البرلمانيون من طرح الأسئلة؟ هل مُنعوا من إنشاء لجان تقصي الحقائق؟ أعتقد أن مرسوم حالة الطوارئ الصحية لم يمنع البرلمان من ممارسة مهامه، بل إنه في جميع الظرفيات الاستثنائية، سواء حالة الطوارئ الصحية أو حالة الحصار، يظل البرلمان يشتغل، ولم يمنع أحد المنتخبين من مزاولة المهام المسندة إليهم، لكن حجم الأزمة وطابعها الطارئ، والذي لا يرتبط فقط بالمغرب، هو ما جعل دور الفاعل التقني الإداري يبرز، وأعتقد أنه يشتغل، ولسنا بحاجة إلى حكومة كفاءات، حتى الكلفة المؤسساتية والمادية والاجتماعية لحكومة جديدة أمر مطروح بشدة، خاصة أن الزمن الانتدابي لم يبق فيه الكثير».

شارك برأيك

مواطن

“الواجهة الديمقراطية” (ما دامت إلا واجهة فقط) لم تعد تكفي لإخفاء بنيوية أزمة النظام المخزني.

إضافة رد