المصطفى الناجي: مسؤولية ارتفاع إصابات “كورونا” مشتركة بين الحكومة والمواطن- حوار – اليوم 24
البروفيسرو موليا مصطفى الناجي
  • كورونا

    ظروف سكن المدن العتيقة دور الصفيح عقبات أمام علاج المصابين بكورونا في البيوت

  • EeVIaNxWsAYrRFN (1)

    بيروت.. زهرة الشرق تقاوم اللهب

  • البروفيسرو موليا مصطفى الناجي

    المصطفى الناجي: مسؤولية ارتفاع إصابات “كورونا” مشتركة بين الحكومة والمواطن- حوار

فيروس كورونا

المصطفى الناجي: مسؤولية ارتفاع إصابات “كورونا” مشتركة بين الحكومة والمواطن- حوار

أمام هذا الارتفاع الذي نسجله بشكل يومي في عدد الإصابات والوفيات بسبب فيروس «كورونا»، ما هي قراءتك للوضعية الوبائية الحالية وتوقعاتك بخصوص المرحلة المقبلة؟

يجب أن نعرف أننا دخلنا في منعرج جديد، وأصبحنا نشاهد تكاثر الحالات الحرجة التي تحتاج إلى رعاية صحية في الإنعاش، إلى جانب حالات الإماتة التي هي في ارتفاع مستمر، إلى جانب حالات الإصابة التي كنا نعتبرها، نحن الأخصائيين، إلى وقت قريب «طبيعية» نظرا إلى ارتباطها بإجراءات الرفع من عدد الفحوصات المخبرية اليومية، لكن هذا الموقف تغير اليوم، بعدما أصبحنا نرصد ارتفاعا كبيرا وبشكل يومي أصبح يتجاوز 800 حالة إصابة في اليوم، وهو الرقم الذي لم نكن نسجله من قبل حتى في شهر أبريل الماضي.

وهذا يدفعنا اليوم، نحن الأخصائيين والمنظومة الصحية، إلى التوقف للبحث والتساؤل حول الأسباب الأخرى التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة، والتي لا يمكن أن نربطها فقط بالكشف المبكر ورفع عدد الفحوصات، لكن يمكن أن يكون أيضا من بين مسبباتها تراخي وتهاون المواطنين الذين لا يأخذون بعين الاعتبار التدابير الاحترازية الموصى بها، وأصبحنا نلاحظ أيضا استخفافهم بالكمامات وإجراءات التباعد الاجتماعي، وكأنهم غير معنيين بهذا الوباء، وهذه مسألة خطيرة جدا.

يوجد تغيير طرأ على سلوك المواطن بعد تخفيف الحجر الصحي، ففي البداية، كان حريصا ويستجيب لنداءات السلطات، واليوم هناك تغير في سلوكه، حيث أصبح يتعامل وكأن كورونا لم تعد في البلاد.

من يتحمل مسؤولية هذا الاستخفاف بالإجراءات الاحترازية، أو لنقل التراخي والتهاون، ألا تتحمل الحكومة الجزء الأكبر منه؟ ألا يمكن أن يكون سلوك المواطن اليوم نتيجة لتقصير الحكومة في التواصل معه خلال الفترة السابقة، واكتفائها ببعث إشارات مطمئنة ومستخفة بالفيروس وكأن الحرب الوبائية انتهت؟

لا يمكن أن نرمي بالمسؤولية على طرف دون الآخر. أولا، أرفض رفضا تاما أن نتهم المواطنين بالتخاذل أو بالتسبب في ارتفاع الحالات. هذا باطل، كما أنه لا يمكن في الوقت ذاته اعتبار أن الحكومة قصرت أو أن الهيئة العلمية أخلت بدورها، لكن ما يمكن أن أقوله هو أن الصحافة ببلدنا كانت تقوم بدور فعال وجبار خلال الفترة السابقة ولاتزال، وكانت صلة الوصل بين الحكومة والمواطنين، وأدرك جيدا كم كان الصحافيون يعانون لاستقاء المعلومات العلمية وتبسيطها للمواطنين والتواصل معهم بلغة توعوية وتحسيسية، واليوم أقول أن المسؤولية مشتركة بين كل هذه الأطراف، فبعد رفع الحجر أو التخفيف منه، اعتقد المواطن أن الفيروس انتهى، وأصبح يتعامل وكأن الفيروس غير موجود، وهذا هو الخطير في الأمر، فالوباء كان وموجودا وسيبقى، وبدأ يأخذ منحاه في الانتشار أكثر، وهذه مسألة التي يجب أن يعيها المواطن، فلا يعقل أن يكون بيننا أشخاص اليوم مؤمنون بأنه لا وجود أصلا لهذا الفيروس، وأن الأمر مجرد مؤامرة أو أكاذيب وغيره، ومن يتحدث بهذا الخطاب اليقيني كيف يمكنه أن يحمي نفسه ومحيطه؟ من جهة أخرى، اللهجة التي يتحدث بها المسؤولون بخصوص الكمامات والابتعاد الاجتماعي يبدو أنها لم تكن مقنعة، وأدت بدورها إلى هذه التغييرات التي وقعت في سلوكات المجتمع، لذلك كله أعتبر أن المسؤولية مشتركة بين المواطن المتراخي، والحكومة التي لم تنهج مبدأ الصرامة تماما كما كان عليه الأمر في بداية الحجر الصحي، وكنا وقتها نحصد نتائج إيجابية.

لكن، لا يمكن أن نفصل ارتفاع عدد الحالات في المغرب أيضا عن السياق العالمي الذي يشهد بدوره انفجارا وبائيا، حتى إن منظمة الصحة العالمية حذرت هذا الأسبوع من أن الفيروس يسير نحو تسارع غير طبيعي، بل إن عدد الإصابات في هذه الستة أسابيع الأخيرة تضاعف، ما السبب؟ ألا يمكن أن يرجع الأمر إلى طفرة حدثت للفيروس جينيا؟

ذلك ممكن، لكن في المغرب، وحسب تصريحات أدلى بها وزير الصحة سابقا، قال إن فريقا علميا قام بدراسة وفحوصات أثبتت أن الفيروسات الموجودة حاليا في المغرب لم تتعرض لأي طفرة أو تغيير منذ مارس الماضي، وما يمكن أن نقوله الآن هو أن الفيروس موجود، ومعروف منذ البداية أنه سريع الانتشار، وإذا كانت عندنا 1000 حالة إصابة فقط فيمكنها أن تعدي 20 ألفا، على اعتبار أن مؤشر العدوى R0 حاليا هو 1.15، ما يعني أن 20 ألفا في المغرب اليوم بإمكانها تمرير العدوى إلى ما يزيد على ضعف هذا العدد، وبالتالي، يجب ألا نستغرب في الأيام المقبلة تضاعف الحالات الجديدة أكثر وأكثر.

إذا لم يكن هناك طفرة جينية في الفيروس، كما ذكرت، كيف تفسر ارتفاع عدد الوفيات أخيرا في صفوف الشباب؟

ما تقولينه صحيح جدا، هذا فيروس مستجد، يخفي أسراره بدهاء كبير، وفي كل مرة يفرج عن سر صغير بخصوصه، في البداية، مثلا، كنا نقول إن الفيروس لا يوجد في الجسم وإنما في الجهاز التنفسي، لكن بعد فترة أصبحنا نجده في أجهزة أخرى كالجهاز الباطني، والرئوي وفي القلب أيضا، وتقريبا هو يستقر في جميع الأعضاء. صحيح أنها ليست طفرات شديدة، لكنها تطورات وقعت فعلا للفيروس، ويجب أن نوضح أيضا أنه مستجد، ولا نعرف عنه الكثير إلى حدود الساعة، كما أنه لم يقل كلمته بعد، فالمعروف الآن أنه فيروس سريع الانتشار جدا، ولا يمكن أن نتحداه إلا باحترام التدابير الوقائية المعروفة، وأن تكون مسؤولية جماعية، لأن ما يحدث في الشارع مؤسف جدا. لا نعمم، لكن ما نتحدث عنه في الإعلام ونطالب به على مواقع التواصل الاجتماعي نجد ما ينافيه على أرض الواقع، وإذا عدنا إلى سؤالك، أقول صحيح أن الفيروس يصيب المسنين، لكنه يستهدف أيضا أصحاب الأمراض المزمنة، خاصة في صفوف الشباب، لكن الخطير أن الأشخاص المتقدمين في السن بإمكانهم أن ينشروا العدوى في صفوف الأطفال بسهولة، والأطفال من جانبهم من الممكن أن يكونوا مصابين بأمراض مزمنة كالسكري وغيره، وهذا يتهدد حياتهم.

أصدر معهد «سكريبس» للأبحاث في فلوريدا، أخيرا، دراسة أثبتت أن الفيروس عرف طفرة جديدة، حيث ظهرت عليه نتوءات أكثر بحوالي 4 أو 5 مرات، ما سهل تشبثه بالخلايا البشرية ونقل العدوى، ألا يمكن أن يكون هذا التحول أحد الأسباب التي تفسر كل هذه التحولات الأخيرة؟

هذا احتمال وارد أيضا، لكن، في الحقيقة، هناك تتضارب في الرؤى بهذا الخصوص، وشخصيا، لا أعتقد أنه طرأت طفرة. مثلا، يوجد ما نسميه علميا « la haute intermédiaire» الخاصة بالفيروس، وإلى حدود الساعة هي غير معروفة، كما الخبراء يقولون إن أصله جاء من حيوان الخفاش الذي مرره إلى حيوان آخر هو le pangolin، وهذا الحيوان بدوره مرر العدوى بطريقة ما إلى أن وصلت إلى الإنسان، وغير معروف هذا المتوسط العالي، لأن التحول من حيوان إلى آخر يصاحبه تغيرات في الجينات، وهي حاليا غير معروفة، وتستوجب وقتا أطول لكشفها، وبالتالي، لا يمكن أن نسلم بنتائج أي دراسة، حتى وإن كانت من هذا المعهد المعروف، مادمنا لم نكتشف هذا التحول.

 مع قرار إجبارية الكمامات وفرض غرامات وعقوبات حبسية على المخالفين، من الناحية الصحية أين تتجلى ضرورة ارتدائها؟ كيف تحمي الإنسان؟

كل ما يمكن قوله أنها تفيد ولا ضرر لها على الإنسان، ويمكنه ارتداؤها ومواصلة عملية استنشاق الأوكسجين وإخراج ثاني أوكسيد الكربون بسهولة، لو كانت غير وقائية أو لا فائدة منها لما ارتداها الأطباء ساعات طويلة في اليوم حتى قبل فيروس كورونا، وانتشرت أخيرا أقاويل سلبية بشأنها من قبيل عرقلة التنفس السليم وإدخال ثاني أوكسيد الكربون وغيرها، وهي كلها مجرد إشاعات، وإذا لم تنفع الإنسان فهي لن تضره، وزيادة على هذا، فإن ارتداء الكمامة لا يعني أنك لن تصاب بالفيروس، فدورها يقتصر على الحد من الانتشار، فمن الممكن أن ترتدي الكمامة وتصاب بالفيروس، يجب أن ننتبه.

تقصد أنها لا توفر الحماية 100 في المائة؟

قطعا لا، هي توفر الحماية في حدود 70 أو 80 في المائة، لكن هذا الحد الأدنى أفضل من أن لا نتوفر حتى على 0.1 في المائة من الحماية. الوضع كما لو كان لدينا بيت به نوافذ ونتخوف من دخول جسم غريب إلى داخله، يكون الحل المنطقي هو إغلاق هذه النوافذ أو أي منفذ، وهذا هو دور الكمامة، لكن في الوقت نفسه يجب أن ننتبه إلى طريقة ارتدائها وفق شروط ومعايير صحية محددة، حيث يجب ألا تتجاوز 4 ساعات، وأن يكون ارتداؤها بالطريقة الموصى بها.

في الأسواق أو الأماكن المكتظة، مثلا أسواق المواشي التي تشهد اكتظاظا هذه الفترة التي تسبق عيد الأضحى المبارك، إلى أي حد توفر هذه الكمامة أرضية حماية للمواطن؟ وما هي التدابير التي توصي المواطن بأن يأخذ بها في هذا الوضع؟

سأبدأ من القسم الثاني للسؤال، أؤكد وألح وأوصي الأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة أو ضعاف المناعة أو المسنين بتجنب الذهاب إلى الأسواق، خاصة الأسواق الأسبوعية وأسواق المواشي وغيرها، كما يجب على المشتري وحتى البائع الالتزام بارتداء الكمامات، وأيضا التباعد الاجتماعي أكثر من متر ونصف عن بعضهما البعض، وهذه كلها تدابير احترازية وجب الأخذ بها لتجنب انتقال العدوى.

هل يمكن أن تكون الأضحية نفسها مصدرا للفيروس أو ناقلة للعدوى؟ ألا يعتبر الصوف الذي يغطيها سطحا مهيأ لالتقاط الوباء؟

ما تقولينه منطقي جدا، إذا كان شخص ما مصابا ويحمل الفيروس في يده ولمس صوف الأضحية، فأكيد أنه سيترك الفيروس، وبالتالي، تصير الأضحية ناقلة، وزيادة على هذا عندما نتحدث عن الإفرازات فإنها تكون في الهواء، وبالتالي، من الممكن أن تسقط فوق الأضحية التي تحملها معها لفترة.

إذن، في هذه الحالة يجب تعقيم الخروف؟

هذا ضروري، لكن في الوقت نفسه، إذا التزم الشخص في السوق وعقم نفسه وارتدى كمامته وتجنب ملامسة وجهه وغيره فهو يحمي نفسه، وإذا أخذ هذه الأضحية وأحضرها إلى بيته وعقمها سيكون ذلك مستحبا، وإذا وضعها في مكان محفوظ لأربع أو خمس ساعات فهي كافية للقضاء على الفيروس.

يتساءل بعض المواطنون حول ما إذا كانت الأضحية نفسها حاملة للفيروس، أو مريضة بالوباء، ما قد يهدد صحتهم؟

لا يمكن أن يكون الخروف مريضا بالوباء، هذا لم يتبين من قبل، لكن الدراسات أثبتت أن صوفه من الممكن أن يحتفظ بالفيروس، تماما كما عدد من الحيوانات التي تنقل العدوى، ومنها القطط والكلاب والثعابين وغيرها.

من موقعك بصفتك بروفسورا وطبيبا أخصائيا في الأمراض الفيروسية، ما هي نصيحتك للمواطنين بخصوص الاحتفاظ بالأضحية في المنزل بعد جلبها من الأسواق؟

الأساسي هو أنه بعد القدوم من سوق المواشي يجب تعقيم الأيدي، ثم الاستحمام بالمياه الساخنة قبل الاتصال بأي شخص آخر. يجب ألا يكون هناك تهاون في هذا الأمر، ومسألة أخرى، الخروف كما ذكرت ممكن أن يكون ناقلا للفيروس، وبالتالي، يجب الانتباه إلى هذه المسألة، وتجنب ملامسة صوفه من لدن الأطفال أو أصحاب الهشاشة الصحية، ثم عند العودة إلى البيت يجب أن ترمى الكمامة، وإذا كانت متجددة الاستعمال يجب وضعها في ماء جافيل فورا.

خلال مرحلة ذبح أو نحر الأضحية، ما هي الإجراءات التي توصي بها المواطنين؟

هذه مرحلة أساسية جدا، يجب أولا أن نتأكد من توفر الجزار على شهادة تثبت خلوه من المرض مسلمة من السلطات الصحية، والتي تخوله القيام بهذه العملية، وأيضا يجب أن تكون الأدوات التي يستعملها معقمة، والأساسي هو أن يكون هناك تباعد بين الجزار وصاحب البيت، وإذا كان الجزار يحمل الفيروس، فبإمكانه أن ينقل العدوى إلى لحم الأضحية، وبالتالي إلى المواطنين.

خلال مرحلة سلخ الخروف، تكون عملية النفخ. كيف يمكن التعامل مع الأمر؟

هذا سؤال مهم، قطعا يجب التخلي عن هذا الأمر، فهو خطأ كبير لأن الشخص الذي ينفخ، سواء كان الجزار أو رب الأسرة، من الممكن أن يكون مصابا، كما يمكن أن يكون حاملا لفيروسات أخرى غير كورونا، ويستحسن الاعتماد على آلة النفخ الآلية أو اليدوية.

وماذا عن الاحتفاظ باللحوم؟

لا يوجد مشكل، في هذه المرحلة إذا تُركت في 0 درجة يمكن الاحتفاظ بها عدة ساعات، وفي -20 درجة يمكن أن يبقى اللحم سليما عدة أيام.

العيد طبعا يعني الأهل والزيارات الأسرية وصلة الرحم، كيف تنصح المواطنين بالتعامل مع هذا الأمر في ظل الوضعية الوبائية التي تعيشها البلاد، دون الانسلاخ عن الثقافة السلوكية للمواطنين، ومع الإبقاء على جانب الوقاية؟

من الناحية الصحية، يجب على كل مواطن أن يحمي نفسه ويحمي الآخرين. يوجد نوع من المسؤولية المشتركة. أيضا، في الجانب الاقتصادي، فإن المواطن، حين يقتني الأضحية، فهو يسهم في تحريك العجلة الاقتصادية، أما الشق الثالث فهو زيارات العيد، ويجب أن يعرف كل فرد في مجتمعنا أن الحل الوحيد لكي لا تنتقل العدوى هو ارتداء الكمامة حتى خلال الجلوس مع العائلة، والتباعد الاجتماعي، وهذا صعب جدا، للأسف، في ثقافتنا المغربية. يجب تجنب الاكتظاظ، مثلا، كل طاولة يجب أن يجلس حولها 4 أشخاص حدا أقصى، وليس أن تجتمع العائلة كلها حول طاولة واحدة، وتأكل من طبق واحد وتشرب من كوب واحد، فهذا يشكل خطرا. طبعا يسعنا الاحتفال ومعايدة الأهل والعائلة، لكن من الضروري أن نحترم جميع التدابير الاحترازية وتدابير التباعد الاجتماعي، خاصة في ظل غياب أي لقاح لهذا الفيروس قبل 2021، وبالتالي، يجب الأخذ بالأسباب، لأن مفتاح النجاة حاليا هو هذه التدابير.

المصطفي الناجي: مدير مختبر الفيروسات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

شارك برأيك