ماء العينين: على البيجيدي أن يغير أطروحة “محاربة الفساد والاستبداد” ويتخلص من جلده الإسلامي -حوار – اليوم 24
ماء العينين: 20 فبراير أوقفت آمنتحكميا
  • جرائم تهز الاغتصاب

    دعوات إلى تعزیز إجراءات حمایة الطفولة وتعریة حقیقة الاغتصاب

  • سعيدة الكامل تكتب: المضربون عن الطعام شرهون!

  • محامون

    المحامون يطلبون المساعدة لتجاوز محنة “كورونا” وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية

سياسية

ماء العينين: على البيجيدي أن يغير أطروحة “محاربة الفساد والاستبداد” ويتخلص من جلده الإسلامي -حوار

كانت تريد أن تصير إعلامية، فصارت حديث الإعلام حينما دخلت السياسة من باب يأتيه الريح من كل جانب، باب حزب بمرجعية إسلامية لا تنضبط لرؤاه الكلاسيكية وتريد فتح نافذة تجديد جديدة، أُغلقت عليها وقد يغلق الباب كاملا، ليس فقط لأن رأيها لا يعجب منظري الحزب، بل كذلك لأنه رأي يصدر من فم امرأة، هكذا ترى أمينة ماء العينين أن حزبها كان غير منصف لها حين فتحت عليها وسائل إعلام قذائف من القذف والسب والمس بالخصوصية، ليس فقط لأنها امرأة، بل كذلك لأن الإنصاف فيه من أي موقع تتحدث، ليس من السهل أن تتعرض امرأة للتشهير في بلد يغرف من ثقافة ذكورية، إنه سلاح  مدمر للمرأة أكثر من الرجل، لكنها انبعثت من الواقعة أقوى تقول، دون أن تخفي أن التشهير أصاب الحياة السياسة بالخرس وكمم أفواه كثيرة وحول النخبة إلى فاعل خائف ومنسحب. تقول أن معركة التشهير نعرف متى تبدأ ولا نعرف أين تنتهي ، تماما كالحرب، وأن أثرها ليس أقل ضررا على المغرب من سنوات الجمر والرصاص، كأنها سنوات جمر إعلامي. أما واقعة أمنيستي، فالحديث عن التجسس في نظرها ليس بجديد، وأخطأت الدولة التصويب حين حاولت أن تجعل من الجميع يردد خطابا رسميا ضد منظمة دولية عريقة، فصار بعض الإعلام وحتى برلمانيين كـ”كورال” يردد الرواية الرسمية، في حين أن للبرلمان وظيفة رقابية وليس رجع صدى للحكومة أو لكلام قيل لهم قولوه مجتمعين مجمعين.

السيدة التي تربت في محاضن الحركة الإسلامية منذ أن كانت تلميذة نشيطة ذات 15 ربيعا في صفوف حركة تابعة لحركة “التوحيد والإصلاح”، إلى أن انضمت إلى حزب العدالة والتنمية وعمرها 17 سنة، ثم صارت برلمانية وقيادية في نقابة التعليم وعضوا بالمجلس الأعلى للتعليم عبر انتخابها،  وناشطة في جمعية نسائية كذلك، تقول إنها احتفظت دائما بشخصية مستقلة في بناء الرأي وهو الأثر الذي لا ينجو منه كل دارس للفلسفة، فبالأحرى أن تكون مدرسة فلسفة، فالفلسفة تمرين دائم على التفكير النقدي وتساؤل دائم ومساءلة دائما للذات والمحيط، وهي الآن، تتساءل هل من المحتم على حزب العدالة والتنمية أن يبقى في وضعية الصراع التي تستنزف الجميع، تستنزف الحزب ومن لا يريدونه متصدرا للمشهد السياسي، وتتساءل هل لازال لهذا الحزب من جديد يقدمه، وهل من جدوى في أن يتصدر ولاية حكومية ثالثة بدون أي أطروحة سياسية جديدة وبدون مقاربة مستحدثة، تقول إن عليه أن يكف عن الحديث بأنه قوة تنظيمية، فالشكل شيء والمضمون شيء آخر، وأن جلده الإسلامي حان وقت نزعه ليصير حزبا عاديا كباقي الأحزاب، ولا تستبعد أن يلفظه المجتمع كما لفظ يساريين ظنوا أن لهم تفوقا قيميا على المجتمع، وتدعوه لأن يمتلك جرأة رسمية في أن يعلن مراجعة رؤيته المذهبية. ماء العينين لا تحبذ هذا القرب في الهوى الإيديولوجي لحزبها مع إسلاميي وإخوان الشرق. تكرر بإلحاح أن مرحلة انتقالية يجب أن تؤسس مداخلها بتفاوض جديد، لكن الساحة خالية ولا يجد حتى ولي العهد من يجالس من نخبة سياسية وازنة كما كان يفعل الملك الراحل الحسن الثاني مع الملك الحالي حين كان ليا للعهد في إطار تكوينه السياسة وإعداده. محمد السادس هو الملك الأكثر استعدادا للانفتاح لو أنه وجد نخبة في المستوى، لكن “ما كاينش معامن”، هذا ما يُستشف من كلام ماء العينين وهي تتحدث على أن الملكية كانت دائما تعبر عن انفتاحها في لحظات تاريخية حينما تكون الشروط السياسية ناضجة  للتفاوض، وتقول إن الملكية البرلمانية “ستأتي”، لكن طرح نقاشها في واقع سياسي ضحل لا جدوى من ورائه، وأن الحديث عن دستور 2011 بنوستالجيا البداية يجعل من الأفق مشهدا خلفيا لا تعقبا لأثره نحو الأمام، ولم يتقدم المغرب من حينه، على عكس المأمول وصار الفراغ القاتل سيد الموقف ونذير شؤم مع نخبة متخاذلة عن أداء دورها إما خوفا من تلصص عيون التشهير على الحياة الخاص لتصير حديث القاصي والداني أو خوفا على المناصب وما كسبت. ماء العينين لا تنفي أن هناك أياد خفية كرست هذا الوضع وتريد بقاءه وقد بلغت مبتغاها، لكن استسلام النخبة والسياسيين هو تخلي عن المسؤولية ولا يغتفر، فحتى في زمن الرصاص والاختفاء القسري كان للسياسية رجال ونساء قاوموا من أجل مغرب أفضل، فهل التشهير أشد فتكا من الرصاص؟ وهل  يصوب أذاه تجاه أفراد أم في الحقيقة تجاه حاضر ومستقبل بلد؟

تابعت الجدل الذي أثير حول تقرير أمنيستي الأخير، كيف تنظرين إلى التقرير وإلى الجدل المثار حوله؟

بخصوص ما جاء في تقرير أمنيستي ليس بجديد، إذ جرى رصد واقعة تجسس على هواتف شخصيات مغربية. أنا أتابع هذا الموضوع قبل قضية عمر الراضي، التي تبدو مرحلة ثانية في اشتغال أمنيستي على هذا الملف، وأتصور بكل صراحة أن هناك سوء تدبير لهذا الملف من طرف الحكومة المغربية ومن طرف السلطات العمومية بصفة عامة. لماذا؟ لأني أتصور أنه كان يمكن تدبيره بطريقة أفضل، خاصة أن تسجيل ملاحظات على عمل المنظمات الحكومية ليس جديدا. فمن المفترض أن المغرب راكم خبرة مع هذه المنظمات التي ليست منظمات عادية، لكن التفاعل معها وتراكم التفاعل معها من طرف الدولة يمنح صورة على وضعية الحقوق والحريات داخل هذه الدولة، والمغرب تفاعل مع إجراءات أكبر من تقارير المنظمات غير الحكومية، مثلا إجراءات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ويقوم باستعراض دوري شامل ويتلقى ملاحظات ويأتي مقررون خاصون للمغرب الذين أبدوا ملاحظات ليست ببسيطة، مثلا المقرر الخاص بقضايا التعذيب، وتأتي فرق عمل، والمنظمات الدولية تتابع الأمر وتتفاعل معه وتفيد بشكل كبير في النهاية رغم الملاحظات وسوء التفاهمات التي تقع بينها وبين الدولة المغربية، إلا أنه لا أحد يمكنه أن ينكر ما أفادت به هذه المنظمات في تراكم المسار الحقوقي بالمغرب، للأسف الشديد أن هذا الملف أسيء تدبيره وكان يمكنه تدبيره بطريقة أفضل على أساس الحوار، الذي يقود إلى حلول.

غالبا ما تكذب الحكومة مضمون التقارير الدولية أو تقول إن فيها تحاملا، وأصبح يتم تقديم المغرب كبلد مستهدف من جميع المنظمات الحقوقية، ما جدوى هذا النوع من الخطاب؟

أنا أتصور أنه كان هناك اختيار منهجي للمغرب مقارنة مع بعض دول المنطقة في تفاعله مع الإجراءات الأممية ومع المنظمات الدولية غير الحكومية، مفاده أن هناك ثقة كبيرة في النفس في مجال حقوق الإنسان رغم الإشكالات الداخلية الموجودة، اليوم نحن أمام تغيير منهجية يقود إلى وضع جديد للمغرب، ويجب أن ننتبه إلى أن المسألة ليست فقط حقوقية، بل تمس بصورة المغرب التي يحاول أن يروجها في مختلف المجالات، ولها تأثيراتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية.

هناك تداخل بين الحقوقي والسياسي والاجتماعي، ما الذي يستفاد من تقديم خطاب أن المغرب بلد مستهدف؟

كما قلت لك هو خطاب يسيء جدا لصورة المغرب وسيكون من الخطأ أن نعتبر أنها معركة فقط مع هذه المنظمات، ففي قضية بوعشرين كان هناك إشكال مع مجلس حقوق الإنسان من خلال فريق عمل، واليوم هناك مشكل مع منظمة دولية غير حكومية عريقة، ربما هناك مقاربة تنظر للأمر أنه خلاف مع منظمة لا تلزمنا في شيء، أو خلاف مع آلية أممية ليست لها حجية قانونية، ولكن الخطأ في هذه المقاربة هو أنه لا ننتبه إلى أن هناك تداخلا كبيرا اليوم، بين المسألة الحقوقية والسياسية والاجتماعية لأنها تجتمع لتعطي صورة عن البلد في الخارج، لذلك فتصوير المغرب على أنه مستهدف بهذه الطريقة وبخطاب ذي نفس هجومي شديد، لا أتصور أنه يفيد. خاصة وأنه يتم خلق شحن ينخرط فيه أناس أقل وعيا، لأن الدولة تصدر بلاغا ويأتي آخرون من أهل “واش كتعرف العلم؟ لا، كنعرف نزيد فيه”، سواء على المستوى الصحافي أو الجسم السياسي الذي يعيش أصلا مأزقا، فيعطون للأمر أبعادا أخرى ويكون المتضرر الأكبر في النهاية ليس هو أمنيستي، بل المغرب.

تحدثت عن “التعبئة”، كيف تنظرين لرد فعل بعض الأحزاب وبعض البرلمانيين؟ هناك من شبهها بحملة جمع 50 ألف توقيع حينما صدر كتاب “صديقنا الملك”..

لا مجال للمقارنة، بصدق، لست من المدرسة التي تقارن بين ما يقع اليوم بما وقع بالأمس، لأن هناك تغيرات وتحولات كثيرة مختلفة، لكن هناك خطرا حقيقيا، لأن اليوم هناك تنميط عجيب للحياة السياسية في المغرب، ووقع كذلك تنميط للمشهد الصحافي بشكل مسيء جدا، تشعر أنه عدنا إلى صناعة الرواية الرسمية ثم تعميمها، وكل من يخرج عنها في لحظة يتم تجهيز تهم له.

حملة بعض البرلمانيين ضد أمنيستي، هل تنخرط في هذا المنطق؟

عبرت عن انزعاجي الشديد من الخطاب البرلماني تجاه هذه القضية مع بعض الاستثناءات، وقلت إن قتل الوظيفة الرقابية للبرلمان غير مفيد في أي شيء، هناك مقاربات في المغرب، ولسنا مطالبين أن ننخرط جميعا في مقاربة واحدة، هناك مؤسسات، هناك فصل سلط يجب أن نناضل من أجله، قد يبدو في مرحلة معينة أن هذا مجرد شعارات، ولكن أنتمي لاختيار سياسي يقول إنه في مراحل معينة يجب أن نحرص حتى على الشكليات الدستورية والمؤسساتية، ولا يجب التفريط فيها، اليوم أخطر ما يتعرض له المغرب هو أننا نقترب من الاستهانة حتى بالشكليات، لذلك تشعر اليوم أن البرلمان كأنه تأتيه رسالة تعمم على الجميع، ولا يبقى هناك لا أغلبية ولا معارضة، فنصير في تلاوة البيانات ومن غير المسموح أن يدلي أحدهم بملاحظة، لأنه إذا قمت بملاحظة في إطار وظيفتك الرقابية، يمكن أن تتهم أنك ضد الدولة وبأن لديك حسابات أخرى. أصبحنا في مرحلة خطيرة، حيث أصبح داخل مؤسسات منتخبة تمايز بين مؤسسات الدولة والدولة، عدنا لمنطق غير مفيد، من المفروض أن مؤسسات الدولة والبرلمان والمجالس المنتخبة هي جزء من الدولة وإلا إذا أزلناها فماذا نقصد بالدولة؟ من المستفيد من تكريس هذا الوضع؟ ليس مطلوبا من مؤسسة البرلمان أن تعيد تكرار الروايات الرسمية لأن هذا ينزع المصداقية والمشروعية عن النموذج المغربي، وينزع عنه المصداقية حتى أمام المنتظم الدولي. من المفيد أن نحافظ على البرلمان كبرلمان والمعارضة كمعارضة والأغلبية كأغلبية وتأتي الحكومة لتقدم روايتها، لأن البرلمان ليست له معطيات، المعطيات تتوفر عليها الحكومة التي من المفروض أن تقدمها وتخضع للرقابة البرلمانية، وليس عيبا أن تسجل الدول ملاحظات على تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية، كما ليس مطلوبا أن نتساوق مع كل الروايات.

أشرت إلى الدستور، ونحن على مقربة من استكمال عشر سنوات من صدور الدستور، وكان من المفترض أنه نافذة لوضع أفضل على مستوى الحريات وبناء دولة المؤسسات، ما الذي حصل؟

ما يستوقفني بشكل دائم، هو كيف نقيم كسياسيين وكمغاربة هذه العشر سنوات، الأصل في إطار التراكم أن نكون قد تقدمنا بشكل كبير، كان يفترض الآن أن نفكر في المزيد من الإصلاحات الدستورية التي تضعنا على طريق تكريس دولة الحقوق والحريات والبناء المؤسساتي القوي، لكن ما يستوقفني بقلق هو هذا القدر من الحنين ومن النوستالجيا التي ننظر بها إلى لحظة دستور 2011.

 ربما ليظل أفقا..

إذن الأفق صار وراءنا، وهذا سيء للأجيال التي تنظر للتراكم، وسيء للشغف الذي يغذي الحياة السياسية في اتجاه التقدم، اليوم كلنا نتحدث بحنين عن سنوات 2011 و2012 و2013، حينما كان هناك تنزيل للقوانين التنظيمية، وكان هناك نقاش بالبلد، وكانت هناك أغلبية ومعارضة في بداية الولاية السابقة، اليوم نشعر كأننا عدنا للوراء وأصبح الأفق هو أن نعود لما كنا نسميه بالتنزيل السليم لمقتضيات دستور 2011. الخلاصة بالنسبة لي أنه من غير الإيجابي أن تمر عشر سنوات ونشعر أننا لم نتقدم كثيرا، وأن اللحظة التي أنتجت الدستور في أفقه المتقدم أفضل من اللحظة التي نعيشها اليوم، ثانيا يجب أن تكون لنا قناعة وطنية بأن المغرب اليوم على أعتاب ختم مرحلة من تاريخه السياسي المعاصر، من دستور 2011 إلى اليوم هناك أحداث ووقائع وسياقات أعتبر أن المغرب أقفلها، لكن مع الأسف ليست لدينا الجرأة أن ننجز تقييما حقيقيا وهادئا من كل الأطراف، ليس هناك طرف لم يخطئ، إذا كانت هناك أخطاء فقد ساهم فيها الجميع وإذا كانت هناك مكتسبات فقد ساهم فيها الجميع. إذن، اليوم يجب أن نقول إن مرحلة انتهت ونحن على أعتاب مرحلة جديدة تحتاج إلى تأمين انتقالاتها التنموية والاجتماعية ولكن أيضا السياسية. وما يؤسف هو أننا مقبلون على مرحلة انتخابية جديدة دون أن ننجز هذا التقييم ودون أن يكون لنا شعور جماعي بأننا بصدد انتقال، لا من حيث النقاش العمومي المفتوح، ولا من حيث التشخيص ولا من حيث الاستعداد ولا من حيث بناء التوافقات، إذا لاحظت معي فليس هناك اليوم حوار من مستوى عال، أنا أتحدث عن المضمون السياسي للنقاش الوطني، هناك غياب لعملية تفاوضية حقيقية، حينما نتكلم عن انتقالات أو محاولات انتقال، سواء بمضمون قطائعي الذي يحمل معنى القطيعة بين مرحلة إلى أخرى أو ليس فيه قطائع، لكن على الأقل فيه تراكم يتقدم، يكون فيه نوع من النقاش الذي يخفي في عمقه نوعا من المفاوضة الجماعية بين كل المكونات السياسية. وفي إطار ذلك التفاوض الذي ينضج، ننشئ توافقات، والتوافقات ليست في كل الأحيان خروجا عن المنهجية الديمقراطية، في أحيان كثيرة يكون إنجاح الانتقالات هو إفراز لتوافقات. اليوم نحن لا نبحث عن هذه التوافقات، أولا لأنه ليس لدينا مضمون نضعه على الطاولة، لا وجود لمضمون سياسي للنقاش، ثم هناك فقر شديد في النخب التي يمكن أن تكون في مستوى قيادة هذا التفاوض، الذي أسميه تفاوضا إيجابيا وبناء التوافقات اللازمة للمغرب، لأن المغرب يحتاج اليوم لتوافقات تخرجه من نفس الصراع وتنتقل به إلى بناء مرحلة جديدة. وأنا اليوم أتذكر أنه في شهادات بعض الشخصيات أن ولي العهد، أي الملك الحالي محمد السادس، حينما كان في المدرسة المولوية، كان يصر الحسن الثاني أن تكون له مواعيد يلتقي فيها بكبار السياسيين المغاربة كولي للعهد، يعني تهيئة له، كان يلتقي بشخصيات سياسية وازنة يتحدث معها، في إطار التكوين السياسي لولي العهد الذي سيتقلد مقاليد الحكم، أتساءل اليوم إذا أردنا الحفاظ على هذا التقليد الجميل مع من سيجلس ولي العهد الحالي؟ أمرر بذهني رجالات ونساء الساحة السياسية، أشعر بأن هذا الفراغ القاتل الذي بلغناه اليوم، والذي هو على كل نتيجة مسار معين، لن يفيد أحدا في شي، نحن إزاء الفراغ وهذا أخطر ما يعاني منه المغرب اليوم.

يظهر أن مجال الصحافة كان من أكثر المجالات التي تضررت كذلك، أو التي حصل فيها جزء كبير من خيبات الأمل، تعرض صحافيون للاعتقال، وضاق مجال الحرية أكثر وصار التشهير كوسيلة سماها بعض الحقوقيين بوسيلة “قمع جديدة”، ولاحظنا في حالات محددة أن التشهير كان يسبق التوقيف وأن التهم التي يكيلها بعض الإعلام تتكرر لدى الشرطة، كما حدث في حالتي سيلمان الريسوني وعمر الراضي، كيف تنظرين لهذه الظاهرة؟

بخصوص الصحافة وحرية الصحافة، أنا عندي قناعة مبدئية دائمة أنه لا يمكن بشكل مطلق أن يتحقق في مجتمع معين لا انفراج سياسي ولا إصلاح سياسي ولا انتقال تنموي حقيقي بدون حرية الرأي والصحافة، لأن أصل الأشياء وماهيتها هما الحرية، والحرية تتكرس من خلال الصحافة، وهي قناعة مبدئية رغم أني من السياسيين الذين نالوا الشيء الكثير من الصحافة، قاسيت بشكل كبير في مساري السياسي المتواضع من الصحافة، ومع ذلك لم يغير هذا قناعتي أني سأظل مدافعة بقناعة مبدئية عن حرية الرأي والصحافة. وهذا يقودني للحديث عن صحافة التشهير، وأتوقع أن الخطر الموجود حاليا في المغرب والذي له أبعاد سيئة جدا، هو الأدوار التي تلعبها صحافة التشهير والحصانة التي تمنح لصحافة التشهير والجرأة التي تعبر بها صحافة التشهير، التي أصبحت في لحظة معينة كأنها فوق القانون، وكأن لها إمكانيات ليست لدى الصحافة التقليدية التي تمارس أدوارها بشكل عاد، وهذا خطر. خطر لماذا؟ لأن الفراغ الذي تحدثت عنه قبل قليل في النقاش السياسي وعلى مستوى النخبة السياسية، أفرزه دور عارم من الأدوار التي تلعبها صحافة التشهير اليوم. لاحظي كانت لدينا سنوات الجمر والرصاص، ومع ذلك كان هناك صمود من الناس الذين نهضوا كي يحقق المغرب تراكما على مستوى الحقوق والبناء الديمقراطي، وكان الثمن هو اعتقالات تعسفية واختفاءات قسرية، اليوم الأدوار التي تلعبها صحافة التشهير أخطر من هذه الآليات الانتقامية ونتائجها أسوأ، لأنها تقود في النهاية إلى الصمت والانسحاب، لديك نخب سياسية صامتة ومنسحبة من أداء أدوارها لأنها خائفة من سياط التشهير التي يمكن أن تسلط عليها، لأن حتى مستوى الاختلاف السياسي انحدر اليوم، قد تعبر عن رأي مخالف في إطار دورك كسياسي أو صحافي، وغدا تخرج لك قضية أخلاقية فيها تشهير ويكون تمهيدا لملف قد يقود للاعتقال، وفيه خرق فضيع لحياة الناس الخاصة ولتحركاتهم الخاصة ولاتصالاتهم الخاصة، وهذا أخطر سلاح يمكن أن يوظف، لأنه قد يؤدي لتقويض أسس دولة. لماذا في كل دساتير العالم، ومنها الدستور المغربي، نجد فيها تنصيصا صريحا على حماية الحياة الخاصة وحماية الاتصالات الخاصة من أي اختراق، لأنه إذا تغيرت المعادلة ولم يبق لدينا هذا العنصر أن الدولة يجب أن توفر هذا النوع من الحماية للجميع، فالخسائر ستكون هي تقويض القواعد العامة التي تقوم عليها الدولة، لأن كل واحد يشعر أنه غير مطمئن، وهذه اللعبة إذا بدأت لا تعرفها أين تنتهي، اليوم ستبدأ بمعارضين وغدا ستصير قاعدة تنسحب على الجميع ولن يكون بإمكاننا بناء تعاقدات، لأن التعاقدات الاجتماعية والسياسية فيها أن الحياة الخاصة حياة خاصة، إذا لم ننتبه اليوم لهذا التعاقد وبدأنا نخل به، فنحن ندخل معركة نعلم متى تبدأ ولا نعرف متى تنتهي.

من الأضرار الواقعية لما أشرت له، هناك أصوات حقوقية وسياسية انزوت للصمت، وحسب ما يروج فالسبب هو التهديدات بالتشهير والخوف على الحياة الخاصة..

أنا لست على علم بهذه التهديدات، أنا لدي قدر من التفهم للناس الذين يخافون وينزوون للصمت، لأنني أعتبر أن هذا الخوف في النهاية هو إنساني، هناك من يستطيع أن يقاوم ومن لا يستطيع، وفي هذا الباب، فوضع النساء أسوأ من الرجال، لكن في النهاية أعتبر أن سيادة هذا الصمت نتيجة الخوف، أولا، فيه تهرب من المسؤوليات، أصبحنا الآن أمام الكل صامت ومنزو ولا أحد يستطيع القيام بأدواره.

تلزمنا ثورة حقيقية على مستوى الوعي الجماعي ربما هناك من يصمت ليس حماية لنفسه، وإنما حماية لآخرين..

هناك سياسيون يقولون حتى إذا صبرت فلن أستطيع أن أحمل عائلتي وأبنائي الأضرار التي تخلقها لهم صحافة التشهير، وأنا أتفهم هذا الأمر لأنه ليس بسيطا، لكن أتصور أنه تلزمنا ثورة حقيقية على مستوى وعينا الجماعي، كي نتصدى بطريقة يكون فيها الكثير من الحس الوطني لأن هذا تدمير لكل شيء، الأدوار التي تلعبها الآن صحافة التشهير ومواقع التواصل الاجتماعي التي يكون جزء كبير منها موجه و”مخدوم” وتكون فيها حملات فيها عنف كبير، لا يستهدف منها فقط ذلك الشخص الذي في النهاية لا نعبر على الاختلاف معه، وإنما نعبر عن الرغبة في تدميره وأبعد من رسالة التدمير والاغتيال السياسي والتأديب والعقاب هي تخويف الآخرين، وفي النهاية هذا يؤتي ثماره، لذلك حينما لا نجد من لا يلعب دور الوساطة، وقد لاحظنا هذا حينما تحدث اضطرابات اجتماعية وقد نحتاج فيها شخصيات لها رمزية ومسموعة ولا نجد أحدا، وقد جربنا هذا في حراك الريف وفي محطات أخرى حيث كنا إزاء الفراغ، لا أحد يستطيع الحديث مع الناس وهم لم يعد لهم إيمان بأي أحد، لأنه إذا أردت أن يؤمن بك الناس يجب أن تبني رصيدا من المصداقية وفي تفاعل مع الناس، ولك مواقف فيها حرية إزاء الراويات الرسمية، البرلمان برلمان والمعارضة معارضة وقادرة على التعبير، والصحافة الحرة المستقلة التي تستطيع أن تفضح الفساد تكون لها المعلومة، إذا محونا كل هذا، من أين سنرمز هذه الشخصيات السياسية والإعلامية التي سنحتاجها في لحظة أهم؟

أشرت إلى أنك كنت من ضحايا التشهير، هل كان له انعكاس على أدائك السياسي؟

أنا تعرضت لحملات متلاحقة، ربما الحملة الأخيرة المتعلقة بالصور كانت الأشرس، أنا أعتبر أنها تجربة على عنفها وعلى شراستها أسهمت بشكل كبير في بناء شخصيتي السياسية، واليوم أنا أنظر لها بالكثير من الإيجابية، كانت درسا وأعتبر أنه بيني وبين نفسي خرجت منها أقوى وكانت تجربة أكثر مما هي محنة. لدي ولع بقراءة السير الذاتية لشخصيات سياسية كبيرة، ففي الغرب هناك تقليد حينما يخرج سياسيون يكتبون سيرهم، من لم يمر من هاته الأمور كأنه لم يمارس السياسة الحقيقية، أنا اليوم أناضل كي أناهض هاته الحملات التي أعرف أثرها وأعتبر أنه من رسالتي السياسية أن أناهضها وأن أتصدى لها وأن أحمي منها خاصة النساء السياسيات أكثر من الرجال، لأني أعرف وقعها على النساء، وتكون عليهن أشرس، من رسالتي مناهضتها كي لا يكون ضحايا آخرون.

كيف تعامل الحزب مع واقعتك، خاصة أنها تهم إحدى نسائه؟

بكل صدق، هذه الواقعة توقفت في الكلام عنها. لكن، حينما نثيرها في هذا الحوار ليس من منطلق شخصي فهي صارت خلفي، ولم أعد أنظر لها من موقع الضحية المستهدفة التي تعاني، لا، هذا تجاوزته بشكل كبير، لكن يهمني أن أخرج منها بخلاصات من موقع التحليل وليس من موقع شخصي. نعم، الحزب لم يشر بشكل مطلق إلى أنني تعرضت للتشهير، وحينما تدخل لم يقل في أي لحظة إن هذا العضو لنا قد تعرض للتشهير بغض النظر عن موضوعه، كان الاهتمام بالموضوع أكثر، لأنني امرأة، وقد أكدت أن الحزب كان انتقائيا بشكل كبير في تعامله مع واقعة امرأة مقارنة بوقائع أخرى مر منها رجال، كانت الانتقائية بناء على الجنس: رجل/امرأة وكانت الانتقائية بناء على الوزن داخل الحزب، يعني حسب وزنك يكون التعامل، وأنا على كل حال، كانت لدي خيبة أمل من الحزب ومع ذلك كان فرصة لأفهم وقائع أكثر.

رأينا قضايا أثيرت حول مسؤولين في الحزب والشأن العام ولم يتم ربطها بالمجال العمومي، مثلا ما تعرض له مصطفى الرميد وأمكراز، عكس قضيتك. هل ترين أنه كان هناك اختلاف في تعامل الحزب؟

عبرت على رأيي وقلت إن لجنة النزاهة والشفافية التي مررت أمامها ليس من دورها أن تقيم محكمة خاصة داخل الحزب، بخلاف المحاكم التي توجد في الدولة وتمرر ملفات تتعلق بمخالفات قانونية أو مخالفات شخصية أو دينية، لأنه أولا ليست لها أهلية، فحينما تكون أمام القاضي هناك قضاة متخصصون وهناك حق في الدفاع، لأنها مسألة قانونية، السؤال هل لجنة الشفافية والنزاهة لحزب العدالة والتنمية لديها هذه الأهلية القانونية كي تخوض في قضايا وتقول هل هي مخالفات قانونية أم لا، هذا اختصاص القضاء، بالنسبة لي اللجنة يجب أن تتدارس أمامها الملفات لمنتخبي الحزب والمسؤولين الذين في مواقع منحها لهم الحزب، هل تمس بمبادئ النزاهة والشفافية في ممارسة تلك المهمة، أما خارج هذا الأمر، فإذا كانت هناك مخالفات قانونية أو مهنية فهناك المحاكم والهيئات، هل إذا قام طبيب بمخالفة طبية ولأنه عضو بالحزب يجب أن نقدمه أمام اللجنة، أو قام بمخالفة سير مثلا أو دخل في مناوشة مع جيرانه أو زوجته.. إذن لن ننتهي. هذا حزب مفتوح فيه مواطنون يخالفون القانون ويخالفون تعاليم الدين كيف سنتصرف معهم؟ هل سنصبح أمام محكمة أخرى داخل الدولة؟ في ملفي مثلا، عادة حينما تفتح اللجنة ملفا وتعلنه أمام الإعلام، تعلن فيما بعد نتيجته كذلك، كما وقع مع ملفي الأخوين الرميد وأمكراز وملفات أخرى، أنا تم الإعلان رسميا عن فتح ملفي حينما نشرت الصور أمام اللجنة ولم يتم الإعلان عن النتائج، وهذا أعلنه رئيس اللجنة والأمين العام في أكثر من مرة في الإعلام ولكن لم تعلن النتيجة، هل تمت إدانتي؟ أنا مستعدة لتحمل مسؤوليتي وأن أجتاز عقوبتي إذا ثبتت، لكن إذا اكتشفت اللجنة أن ملفي ليس فيه مس بالنزاهة والشفافية يجب أن تقولها، لم يخبرون لا بشكل شفوي ولا مكتوب بالنتيجة لكن العقوبات سرت علي، عقوبات متعددة غير معلنة.

مثلا..

مثلا منعت من تأطير ندوات الحوار الوطني رغم أني كنت من المساهمين الأساسيين في الحوار الوطني، وتم الاتصال بقيادات جهوية وإقليمية لعدم استدعائي لأني غير معنية بالتأطير كما قيل لهم، لأنه مباشرة بعد حملة التشهير كان لدي تأطير ندوات في أعقاب المؤتمر. ثم خرجوا للإعلام واعتبروا أن عدم تجديد ولايتي كنائبة رئيس مجلس النواب وكنائبة رئيس الفريق نوع من العقاب.. وربما قد تأتي عقوبات أخرى، أنا أعيش هذا الوضع وأشعر به، لكن لا يهمني فأنا أؤدي وظيفتي كسياسية مقتنعة بما تقوم به وألاحظ وأحلل.

في وضعيتك كسياسية، يحضر دائما أنك السياسية التي تبدو أكثر جرأة في المواقف السياسية وفي أمور متعلقة بالانفتاح وبالحريات، ودائما يطرح أنك تنتمين لحزب ذي مرجعية إسلامية وتثيرين مواقف أكثر انفتاحا من الحزب، وهناك من يعتبر ذلك فيه عدم انسجام بين الخطاب السياسي والهوية الإيديولوجية للإطار الذي ينتمي إليه هذا الشخص، سواء كانت أنت أو شخصا آخر، كيف تتفاعلين مع هذا الرأي؟

حينما نتحدث عن المرجعية الفكرية أو الإيديولوجية لتنظيم معين هي في النهاية إفراز نقاشات بشر، ليست شيئا ينزل من السماء، هذه المرجعية تتشكل نتيجة نقاشات يقودها أفراد هذا التنظيم، بمعنى من العادي ومن الطبيعي أن نجد دينامية على مستوى نقاشات الأفراد أو في قيادات التنظيمات تبدأ في التراكم ويقع النقاش ويقع الاختلاف وتحدث التحولات على مستوى المرجعية النظرية. دعيني أقول لك شيئا، حزب العدالة والتنمية خضع لمراجعات متعددة حتى على المستوى الفكري والإيديولوجي وقامت بها قيادات الحزب، العثماني وبنكيران مثلا، فقط هناك خلاف ما هو موقعك داخل الحزب وثقلك، هل رجل أم امرأة وإلى أي حد يسمح لك موقعك بالدفاع على رأيك، على مراجعاتك أو أفكارك الجديدة التي تحملها. مثلا، بنكيران طوال ولايتين كأمين عام يمكن أن أرصد من موقع تحليلي ثورات على مستوى العديد من القضايا التي أثارها، وكذلك سعد الدين العثماني في اجتهاداته الفقهية إذا عدنا لنقاشه في المستويات الفكرية، لكن حينما تكون امرأة تسهل مهاجمتك بشكل أكبر دائما، وذلك لأن السياق مختلف فصحافة التشهير تضغط.

لكن ربما الأمر يختلف ما بين الإتيان باجتهادات على مستوى الممارسة أو التجديد في الخطاب، وما بين أن أنتمي لبنية فكرية لكن آتي بممارسة يبدو أنها تختلف.. هم فقط يتحدثون..

لا، يتحدثون ويمارسون كذلك بأشكال ما، ليس هذا هو الإشكال، الإشكال هو أن الحزب فيه انحباس فيما يتعلق بمرجعيته النظرية وانحباس على مستوى مساره التجديدي الفكري، وهو غير سليم بتاتا بالنسبة لحزب سياسي قادم من الحركة الإسلامية التي كانت لها حمولة إيديولوجية قوية وحركة دعوية وحزب سياسي قاد حكومتين ومارس تدبير الشأن العام والمحلي، هذا الوضع كان ينبغي أن يفرز نقاشا كبيرا على مستوى التجديد في نظرية الحزب، الغريب أنه غير متحصن، الأكثر من ذلك أقول لك إني أرصد مؤشرات متناقضة، هناك مؤشرات متقدمة على مستوى القيادات، وأنا أعرف ما أقول، وزراء نواب برلمانيون…

ماذا تقصدين بمتقدمة؟

متقدمة على مستوى سلوكهم وانفتاحهم على الآخر، على مستوى تغيير تفكيرهم، ليست هذه القيادات حينما كانت تمر من مجالس تربوية داخل الحركة الدعوية هي نفسها في مواقع برلمانية وتختلط بالناس. تغيرت العديد من الأشياء، والفرق هو في التعبير عن هذا التغير. أخبرك بأمر، كان قد تم تنظيم ندوة حينما كان هناك نقاش حول الإجهاض والحريات الفردية وهي ندوة وطنية احتضنها مقر الحزب، لم يتم الحديث عنها في الإعلام بشكل كبير، وتفاجأت بالمستوى المتقدم في العديد من المداخلات لأنه كان هناك نقاش حقيقي، كان نقاشا مغلقا، لكن يبرز أن الحزب تخترقه تحولات كبيرة وكانت تدخلات يمكن أن تعتبر أكثر جرأة بكثير مما أعبر عنه أنا من دعوة إلى المراجعات، لكن هذه الفضاءات التي يمكن أن تحتضن هذا النوع من النقاشات غير موجودة، وهناك في الجهة المقابلة نوع من الانزواء والعودة إلى الفكر المحافظ كأنه رد فعل على شيء ما، هذا كذلك موجود، حتى في أوساط الشباب، وهذا أمر مفارقاتي لا يتم الانتباه إليه، ثالثا هناك الضغط الانتخابي والسياسي الذي منع من التعبير عن الحاجة لهذا النوع من النقاشات لأن الناس تخاف من أمرين: يخافون من أثر خطابك داخل التنظيم ومن موقعك داخل التنظيم، لأنه في النهاية له حمولة إيديولوجية، وهناك من يحرس على تأمين مكانته داخل التنظيم ”ما كيبغويش يخسروا الخواطر للقواعد”، لأن أي نقاش حساس إذا أردت الخوض فيه ستكون له تبعات، والحزب ينتبه لضغط الجمهور الانتخابي، وقد كانت خطابات في النقاش حول نازلة الصور التي تخصني بأن الناس انتخبونا على أساس خطاب معين، إذن هذا هو تميزنا الانتخابي.. الخلاصة أن الحزب من المؤسف أنه لا ينتبه أنه في حاجة لإجراء نقاش حقيقي حول مرجعيته، وأنا قلت إن حتى هذا الحزب الإسلامي هل نحن لازلنا في حاجة لهذه التوصيفات، قلت إنه ينبغي أن نتوقف على تسمية الحزب بحزب إسلامي.

أن يسميكم الآخرون أم أن تسموا أنفسكم؟

أن يسمي نفسه. الحركة الإسلامية في مشرقها ومغربها بلغت مرحلة حقيقية كي تراجع أداءها ومرجعيتها، نعم تعرضت للاستهداف، هذا مفهوم، لكنها في نفس الوقت لم تستطع أن تحقق اختراقات حقيقية للوسط الذي توجد فيه، لا مع الأوساط النافذة في السلطة والإعلام ولا في مجال المال والأعمال. هناك عوامل موضوعية مرتبطة بالاستهداف وهناك عوامل ذاتية تحتاج فيها إلى مراجعات.

في هذه العوامل الذاتية، كنا قد توقفنا مع محمد الطوزي على هذا الأمر، وكان قد أشار لقصور الحزب في تجديد مرجعيته، وقال إن بعض الحالات التي تظهر، وأشار لك بالاسم، تبقى حالات معزولة وفردية، ومهما انفتحت لا تصير مؤسسة لمرجعية..

أنا أتفق تماما، وقد عبرت عنه بانحباس على مستوى قدرة الحزب على أن يخوض غمار نقاش فكري يقود إلى وضع أسسه النظرية المرجعية على المحك.

ما الذي يجعل هذا الانحباس؟ غياب المبادرات..

هناك عوامل متعددة، العامل الأول هو الانخراط في تدبير الشأن الحكومي الذي استنزف أطر وقيادات الحزب التي كانت منشغلة بهاته المسألة الفكرية، وأصبحنا أقرب في هذا الزمن إلى ممارسة سياسية غير معضدة بالنظري، لأن في السابق كانت تبنى النظرية السياسية ثم تلحقها الممارسة السياسية، اليوم في العالم كاملا هناك ضمور في النظرية لصالح الانخراط في الممارسة والممارسة تقود إلى التقنية، من النظرية إلى الممارسة إلى التقنية، وهذا هو خطاب التقنوقراط وما يسميه بمقاربة الإنجاز.

ومن أخطر ما تعرضت له تجارب العالم العربي هو هذه المسارعة إلى الانخراط فيما يسمى بمقاربة الإنجاز، ونحن لم نحسم في الجانب النظري بعد، مثل التجارب الناجحة بجوارنا، أوروبا مرت بعصور من التنوير الفكري حول ما معنى الدولة وما معنى التمثيل… ونحن استوردنا هذه المفاهيم ووضعناها في دستورنا لكن عمليا ليست في منطقنا، لذلك تلك الثورات سرعان ما أكلت نفسها ووجدت الشعوب نفسها تائهة، هل تريد الديمقراطية أم لا، لا تعرف. ولأنه لدينا تهميش خطير للعلوم الإنسانية وليست لدينا الآليات التحليلية والمنهجية، ثم القمع الذي يتعرض له هذا النوع من النخب والإقصاء من طرف الطلب على النخب التقنية، كل هذا يسهم في بقاء الوضع مضطربا. اليوم الحزب يقوم بمراجعة وقد أشار لها بلاغ الأمانة العامة، مراجعة للبرنامج العام أو الورقة المذهبية التي تشكل الأسس النظرية للحزب، بمعنى هناك الحاجة لمراجعتها، وهناك لجنة تشتغل على هذا الموضوع لكن في غياب تام للنقاش، سواء داخل الحزب أو نقاش الحزب في تفاعله مع الخارج، فالحزب ليس ملك نفسه، هو ملك المغاربة.

قلت إنه أحيانا تحت الضغط الانتخابي كأن هناك خوفا من المضي قدما في أمور المرجعية، أنا عدت لأطروحة المؤتمر السابع سنة 2012، ووجدت فيها فقرة أثارتني وهي أن “الدواء الناجح والدائم لمنع الاستبداد هو إشاعة الحريات الفردية والجماعية وتفتيت بناه القيمية والتنظيمية”، حينما تقرأ هذه الفقرة كأنك أمام حزب علماني، هل الحزب على الأوراق ليس هو الحزب في الممارسة؟

بالنسبة لأطروحة المؤتمر السادس والسابع، كان عليك العودة كذلك لأطروحة 2008، وهي أهم وأعمق من 2012، وقلت حينما أثير نقاش الحريات الفردية والجماعية، تم إعطائها حمولة وحساسية كبيرة في إطار تقاطب من مع ومن ضد.

رغم أنها منصوص عليها في أوراقكم؟

نعم، لأنه لم نعد نقرأ.

لا تقرؤون ما تكتبون؟

نعم صحيح، لم نعد نقرأ، ليست هناك قراءة للمكتوب وليس هناك تطوير للمكتوب.

وليس هناك احتكام للمكتوب كذلك على ما يبدو..

نعم ليس هناك احتكام، لأن هاته الأوراق التي يصادق عليها المؤتمر يفرزها مسار لا يعرف نقاشا، قلت إن تلك الورقة المذهبية للحزب معروضة للنقاش من أجل التطوير فيما يسمى بالبرنامج العام وليس هناك نقاش رغم أنه أمر جوهري. ولا يمكن ألا يكون تطوير حتى لا أقول مراجعة لأنها تثير حساسية البعض، فلا يمكن أن تظل تفكر اليوم كما كنت قبل وبعد عشر سنوات فيما بعد. أكيد أنه على مستوى ممارسات قيادات الحزب وقرارات الحزب حدثت طفرة كبيرة، فقد صوتنا على قوانين متطورة في البرلمان نفسه. أشياء كانت تخلق حساسية واليوم هناك تصالح معها مثل خطة إدماج المرأة التي كانت في مرحلة تعتبر ردة وقد تقترب من مخالفات شرعية، بسبب ضغط الممارسة ينخرطون في ذلك، لكن بمجرد إثارة النقاش على المستوى الفكري تقع التموقعات والتخوفات.

لكن الأطروحات السياسية في المؤتمرات تعكس مضمونا فكريا، وسأعود لك إلى أمر آخر في أطروحة المؤتمر 12، وجدت عنوانا فيه إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الشعب هو الأصل وإرادته محكمة وقراره سائد ونافذ وأن تمثيله والنيابة عنه هي تفويض، هذا يظهر كمسار الأحزاب الديمقراطية المسيحية..

نحن أقرب إلى ذلك، أتعلمين ذلك؟ البيجيدي بهويته السياسية، أتصور أنه يجب أن يقترب من نماذج الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، ويجب أن يتخلص من جلد حزب إسلامي يقترب من تجارب أحزاب الحركات الإسلامية خاصة في المشرق، لأن هناك اتهامات تقع على الحزب حول علاقته بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ليست هناك أي علاقة تنظيمية بالتأكيد، لكن هذا لا يمنع أن هناك تأثرا بالأدبيات. طبعا نحن قمنا بطفرة تكاد تقترب بنا إلى حزب ديمقراطي مسيحي في أوروبا وأمريكا، هذا هو مستقبل الحزب، ثم إن الحساسية مع مفهوم العلمانية يجب أن تخف وهي تخف عمليا في الممارسة، لأن العلمانية علمانيات ونحن أقرب عمليا من علمانية فيها نوع من التشريعات لا تستمد من الدين، فنحن ليس لدينا نظام الحدود، ولكن لدينا تعاقدات تؤطر في دولة مدنية. لدينا فيها مكسب إمارة المؤمنين لأنها هي التي تتدبر الشأن الديني، سواء للمغاربة المسلمين أو غير المسلمين، ولدينا فيها أحزاب سياسية تتنافس مع استثمار وليس استغلال الدين في السياسة، الذي أنا ضده وأصر على التمايز بين هذا الأمر، بين استغلال واستثمار قيم الدين النبيلة في تطوير المجتمع.

لاهوت التحرير؟

نعم، حينما يقول مغربي إنه لا يريد أن يسرق لأن الله حرم السرقة والغش، بالنسبة لي هذا أمر إيجابي أن نستثمر به، قيم دينية تقود إلى قيم النزاهة والاستقامة والشفافية. لماذا سنزيلها ونريد أن يتم تحييدها من الفضاء العام؟ نعم يجب تطويرها وأن يتم استثمارها من طرف الجميع، ولكن أن نستغل الدين سياسيا أعتقد أن فيه إساءة كبيرة للدين ونجعله موضع صراع.

معذرة سأقاطعك، الآن من خلال ما ناقشناه حول المرجعية الفكرية والأطروحات السياسية والتخوف من النقاش والإفصاح عن أمور مضمرة بشكل ما في السياسة، كل هذا يجعل الملاحظ وكأنه أمام حزب، من يكتب الورق روح أخرى ومن يمارس هو جسد آخر؟

بكل صدق ليس بهذا المعنى.

يعني؟

البيجيدي على مستوى ممارسته العامة أتصور أنه أقرب إلى ما هو مدون في وثائقه بشكل عام، وله تراكم إيجابي على مستوى القيم التي حكمت تأطيره للشأن السياسي، وربما هذا ما منحه التميز الذي التقطه المغاربة، لا يمكن أن نستهين بالذكاء الجماعي للمغاربة، هناك أداء جيد ومراكمة جيدة للحزب على مستوى القيم التي تحكم أداءه، أتصور أن له رصيدا مهما في الحياة الحزبية المغربية التي لازال على المغرب أن يستفيد منها ويستثمرها. حزب العدالة والتنمية هو مكسب للحياة السياسية والديمقراطية المغربية لازال المغرب في حاجة إليه، ولكن ما قلته والذي يمكن أن يرصده أي محلل أنا أعتبره شيئا طبيعيا، ويجب أن تكون للحزب الجرأة الرسمية ليخرج ويقول إنه لا عيب في أنه جئنا من وسط حركة إسلامية لم نكن ندبر الشأن العام، وكان لنا منظور طوباوي للأشياء، وكان لنا منظور إيديولوجي مغلق، لأنها كانت حركة دعوية تقوم بجلسات تربوية. تماما كما تتساءل الحركة اليسارية، فاليوم اليسار يطرح سؤالا وجوديا على نفسه وعلى قيمه في العالم بأكمله، وليس عيبا. وأقول لك الحركة الإسلامية في العالم العربي تحتاج إلى طرح سؤال حقيقي على وجودها، الذي ينقص حزب العدالة والتنمية هو أن يعيش مرحلة صدمة بين ما كان يحمله من تصورات، لاحظي كيف كانت تمارس المعارضة البرلمانية، بشراسة وبطوباوية، عودي للمرافعات التي كانت لقيادات هي اليوم في موقع التسيير، ستلاحظين فرقا كبيرا على مستوى الخطاب، وليس عيبا.

حدث لك ذلك أيضا؟

نعم، حدث لي أيضا نفس الشيء، كشابة قادمة من محاضن الحركة الإسلامية ثم نائبة برلمانية لولايتين دخلت مؤسسات متعددة.

وقع معك موقف ما أو عبرت عنه والآن تغيرت رؤيتك له؟

وقعت عندي مراجعات عديدة على مستوى منظوري للحياة السياسية.

حدث أنك ربما دافعت عن شيء في البرلمان وكنت مناهضة له، والآن تجدين نفسك غير متفقة مع نفسك حينها؟

ما يميزني قليلا هو أني درست الفلسفة بشكل مبكر، بمعنى أني تركت دائما تلك النسبية بيني وبين ما كنت أتلقاه، ولازالت لحد الآن نسبية، ولكن هذا لا يعني أنني لم أمر من مراحل غلبتني فيها النزعة الإطلاقية وخضت معارك، اليوم لو عدت لن أخوضها، وتبنيت فيها خطابا لو عدت اليوم لن أتبناه. تطور تفكيري بطريقة إيجابية وانفتحت وصرت أكثر قدرة على فهم المجتمع، لأنه حينما تقوم بالتشريع تصير مسؤولا، فلحظة التشريع لحظة مسؤولية أمام الضمير وأمام التاريخ وأمام المجتمع، هي لحظة تحتاج نضجا كبيرا وقدرة على رصد تحولات المجتمع، وأن تميز بين ما تريد أنت كشخص وما يحتاجه المجتمع والتحولات التي يعرفها، وإذا أفضت التعاقدات الاجتماعية إلى شيء يخالف إرادتي، فيجب أن أعترف أن المجتمع تجاوزني، ويجب أن أراجعها، ولا معنى أن أمارس استعلاء جديدا على المجتمع: “المجتمع ما فا همش أنا وحدي لي فاهم”. لا، يجب أن نطرح السؤال على أنفسنا كذلك، لأن الحزب وظيفته التأطير وليس من المفروض أن يتفاعل مع كل ما يحدث في المجتمع، ولكن لا ينبغي، وقد حدث هذا لبعض فصائل اليسار التي انغلقت على نفسها واعتبرت نفسها لها تفوق قيمي على المجتمع فلفظها المجتمع، وهذا ليس بعيدا على الحركة الإسلامية أن يلفظها المجتمع كذلك. هذه قوانين تسري على الجميع، البيجيدي لن يضره شيء إن خرج بكل جرأة ويفتح نقاشا حقيقيا حول ورقته المذهبية، ويضع تجربة الحزب على المحك ويستمع لمن ينتقدونه ولمن لهم ملاحظات علينا. اليوم واضح أن هناك أطرافا متعددة غير راضية عن حزب العدالة والتنمية ولا تريده.

على أي مستوى؟

في مستويات متعددة، جهات متعددة في الدولة ومستويات متعددة في مواقع النفوذ داخل الدولة، وأتكلم عن مواقع النفوذ في مجال المال والأعمال وفي مجال الإعلام، وهذا أمر طبيعي أن يكون لحزب سياسي مواقع مقاومة له، السؤال هل سنبقى دائما في هذا الصراع؟ لأنه صراع مرير وصراع قوي يستنزف الحزب ويجعله يبقى رهين تدبير تلك الصراعات ويستنزف الدولة كذلك، وكل تلك المواقع التي تنخرط جميعها في معارك شرسة ضد العدالة والتنمية، لذلك قلت لك نحن على أعتاب إغلاق مرحلة، ويجب أن نؤمن الانتقال إلى مرحلة أخرى مقبلة، أهم شيء هو أن تكون لنا الجرأة أن نوقف نفس الصراع أو على الأقل نفس الصراع العنيف، لا يجب أن ندخل مرحلة جديدة بنفس الصراع. بالنسبة لي حزب العدالة والتنمية ليس من الضروري أن يقود مرحلة حكومية جديدة، ليس ضروريا.

هذا ما أود سؤالك عنه، قلت إننا على مشارف مرحلة انتقالية جديدة، هل تقصدين بها الانتخابات أم ماذا؟ وهل سيكون البيجيدي رقما قويا في معادلتها أم سيكون قد تعرض للإنهاك مسبقا وقد يحضر بشكل آخر؟

التقييم فيه مستويان، مستوى انتخابي ومستوى سياسي، وأنا أميز دائما بينهما بشكل كبير. على المستوى السياسي حزب العدالة والتنمية يحتاج حقيقة إلى نقاش سياسي داخلي، ويحتاج إلى أن يبلور أطروحة سياسية جديدة، وعرضا سياسيا جديدا يحمله للمغاربة وللأطراف الأخرى.

ماذا سيحمل أكثر من الشعارات التي نادت بها 20 فبراير ووظفها، مثل محاربة الفساد والاستبداد؟

إذن، إذا لم يكن لديه جديد فسيكون قد تجاوزه الزمن. الحزب السياسي هو الذي يستطيع تجديد عروضه السياسية.

في 2011 بنيت أطروحتكم على ما حمله الشارع آنذاك وما حملته موجعة ربيع الشعوب، مع الوقت يظهر أن الفساد والاستبداد ربما استفحلا أكثر، فأي عرض جديد يمكن أن يقدمه العدالة والتنمية؟

إذا كان الجواب هو أن الحزب لا يستطيع أن يطور عرضا سياسيا جديدا، فمعنى ذلك أنه لم يعد يستحق أن يقود المشهد الحزبي المغربي ببساطة.

لا، أقصد أنك حينما تقولين أطروحة سياسية جديدة وكأن القديمة استنفدت أو تم النجاح فيها..

الأطروحة السياسية لعشر سنوات استنفدت، ليست هناك أطروحة سياسية تقدمت بها عشر سنوات مضت ستقود بها العشر سنوات المقبلة.

ليس الأمر فقط استنفادها، هل تجسدت؟ هل تحقق منها شيء؟

فهمتك، تودين القول هل انتهينا من الفساد والاستبداد وعلينا المرور لعرض سياسي جديد، لا، ليس هذا ما أقصد. بل المقاربة التي يشتغل بها الحزب بالتأكيد ستكون استنفدت، لأن عشر سنوات ظهرت فيها متغيرات جديدة، حتى إذا ظلت نفس الرهانات فهي تحتاج إلى مقاربات جديدة وتدبير جديد ونخب جديدة، إشكال الفساد لازال في المغرب، والمسار الديمقراطي لم يكتمل، إشكال الحقوق والحريات لازال مطروحا، الإشكال التنموي كذلك، هل ستنسخ نفس المقاربة ونفس النخبة؟ هل ستدخل مرحلة جديدة بهذه الآليات؟ “سمح لي”، إذن أنت أصبحت حزبا جامدا، العدالة والتنمية إذا لم يبلور عرضا سياسيا جديدا، وإذا لم يدخل به هذه المرحلة فأعتقد أنه لن يقدم أي جديد للمغرب، لكن على المستوى الانتخابي ليست هناك منافسة حقيقية له، ليس هناك فاعل حزبي اليوم الذي يمكن أن يدخل غمار الانتخابات ويفوز. لكن دعيني أقول لك أمرا مهما، اليوم أنا كسياسية داخل حزب العدالة والتنمية أو من منظوري من خارجه، لا أعتبر نهائيا بأن الرهان هو الفوز في الانتخابات، بكل صدق لا يعنيني أن نفوز انتخابيا دون أن نحمل مضمونا سياسيا جديدا. ويؤسفني أن الحزب الذي أتى في مرحلة لتغيير المعادلة السياسية في البلد، أصبح يقترب من أن يكون طرفا عاديا في المعادلة السياسية.

ما الذي يجب أن يتخلص منه ليصير حزبا عاديا مثل الجميع؟ سيتخلص من تلك الشعارات التي لم يتم تجسيدها أصلا، أو تمت مقاومتها أو لم تسمح بها موازين القوى، على كل، المهم أن النتيجة واحدة؟

قبل حزب العدالة والتنمية كانت تجربة حزب الاستقلال، تجربة عريقة لحزب كبير ولايزال حزبا كبيرا، حزب الاتحاد الاشتراكي أمضى تجربة بزخم شعبي خارق وبنخب سياسية كبيرة، هل حزب العدالة والتنمية لوحده سيكون بمنأى عن نفس المسار الذي تعرضت له هذه الأحزاب؟ ليس بمنأى عنها إلا بالمقاربة التي سيعتمدها، لذلك قلت لك إننا نحتاج إلى نقاش سياسي حقيقي داخلي، ويحتاج الحزب إلى التخلص من المقاربة التنظيمية التي تصور له نفسه أنه حزب قوي، على المستوى التنظيمي نعم هو قوي، لكن أنا أقيم فرقا كبيرا بين الإشعاع الكمي وبين المضمون، ما هو الجديد الذي سنحمله للمغرب؟ لا يمكن أن نظل في صراع مع أطراف لا تريدنا، دائما نفس القوى التي تواجهه هي نفسها، ألن يتغير شيء في هذه العلاقة؟

كلامك ينم عن…

(مقاطعة) كلامي ينم عن أن الحزب عليه أن يكون طرفا قويا في مفاوضة سياسية حقيقية، لا أريد التفصيل فيها أكثر لأنه قد يتم تأويل النقاش بشكل كبير، وإذا صغرناه سيصير سخيفا، كالفلسفة إذا أعطينا بها أمثلة تستحيل إلى سخافة كما قال العروي، النقاش السياسي يجب أن يحافظ على إشارات كبيرة، حزب العدالة والتنمية لم يعد قادرا على أن يقود النقاش السياسي في البلاد، وأن يكون جزءا أساسيا في تدبير مرحلة المفاوضة السياسية التي ستتم لتدبير المرحلة المقبلة، أكرر نحن مقبلون على انتقالات يجب تأمينها، وتأمينها تلزمه شروط، وهذه الشروط غير متوفرة في المغرب، المغرب اليوم تقوده مقاربة واحدة.

ما هي؟

مقاربة بمنظور واحد تؤدي إلى تراجعات أنا أرصدها على مستوى الحريات وعلى مستوى الحقوق، كما أن السياسيين يتراجعون للوراء، السياسيون عاجزون عن ملء الفضاء العمومي بالنقاش، لذلك نتحدث عن صحافة التشهير والقضايا الفارغة.

من الشيق أن نظل في هذه النقطة، وقد تقولين أمورا كثيرة، لكن كنت قد انتقدت تغييب المنتخبين في تدبير الجائحة، هل هو تغييب أم سلموا أمرهم للداخلية؟

كلاهما، كنت في مرحلة كغيري من السياسيين أنتقد الاستهداف الخارجي الشرس الذي تعرضت له الأحزاب السياسية، في النهاية أدى إلى قتل الحزبية، تم قتلها، هي تقاوم كي تظل على قيد الحياة، وهي التي أدت إلى ما يسمى إعلاميا بنزيف الثقة وتراجع مؤسسات الوساطة، معناه أن الحزبية تراجعت، كنا كي تصل للبرلمان يكون ذلك تتويجا لمسار تخلقه أنت كسياسي حامل لرهانات ديمقراطية، تخلق اسمك وهو الذي يقودك للموقع الذي توجد فيه، الغريب اليوم هو أن ما يسمى بالقيادات السياسية صارت تأتي بالعكس، تجد نفسها في البرلمان ثم تتعلم “تقياديت” في البرلمان أو الوزارة أو الحكومة، كنا نسمع أسماء تصقل قبل أن تصل لذلك المنصب، وحين تصل له، فهي تملؤه لأنها تجر خلفها تاريخا ومسارا ولا أحد يستطيع أن يمنعها من ممارسة دورها، لأن ثقلها تحمله في ذاتها، اليوم العكس، هل تعرفين أن أغلب القيادات السياسية غير معروفة لدى الناس؟ قد يمضي أحدهم ثلاث ولايات ولا يعرفه أحد، هل تعرفين أن القيادة السياسية في المغرب أصبحت تمارس بالصمت؟ هل تعرفين قيادات سياسية، قد تمر أحداث كبيرة في المغرب، سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا يسمع لها صوت؟ أين المسؤولية؟ لأن الموقع السياسي ليس فقط امتيازا، نعم هناك بعض الامتياز المادي والجاه الاجتماعي لكن فيه مخاطر الوظيفة. نريد مواقع امتياز دون خوض المخاطر؟ لأنه إذا تحدثت اليوم، غدا ستتعرض للتشهير والجميع خائف، فكل واحد له حياته الشخصية التي لا يريد أن يطلع عليها الآخرون، هذا من حقه، حق إنساني، الكل يعتبر أن معطياته الخاصة قد يجدها غدا في… السلاح الذي سيقود إلى تدمير كل شيء هو صحافة التشهير.

لهذا الحد؟

نعم لهذا الحد، أعرف خطورتها، سنوات الجمر والرصاص التي خلفت خسائر كبيرة للمغرب، بماذا دشناها وهي المرحلة التي جنت على المغرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟ دشناها بالاعتقال التعسفي والاختطاف القسري وبالتعذيب، اليوم لم تعد هذه الآليات ممكنة، اليوم نقوم بذلك بصحافة التشهير، كل المعارضين في المغرب، سواء كانوا سياسيين أو إعلاميين، إما مغتصبين وإما متحرشين وإما منافقين… إلى أين سيؤدي بنا هذا الأمر؟ هل يوجد بلد يريد أن يقود انتقالا حتى على مستوى الشكل برأي واحد ومقاربة واحدة؟ نحتاج إلى تنفيس جديد، ضروري جدا، أعتاب المرحلة الجديدة يجب أن تدشن بانفتاح وتنفيس.

ومن يمكن أن يلعب هذا الدور للتنفيس؟

أنا لا أعترف إلا بأدوار السياسيين، ولكي أكمل لك فكرتي السابقة، أنا كذلك كنت أنتقد الاستهداف الخارجي للأحزاب، “المخزن” قام باستهداف حقيقي للأحزاب السياسية، أفرغها من أطرها وقام بالترهيب والتدجين والإغراء، وقام بسياسة العصا والجزرة، الآن، لم أعد أرتكن فقط لهذا المنظور، اليوم إذا أردنا أن نتحمل مسؤوليتنا كسياسيين، يمكن أن نقول نحن كسياسيين استطبنا، وأعجبنا حالنا بأن نرمي اللوم على الآخرين، وننسى أنه أصبح السياسيون يقومون بنفس الآليات داخل أحزابهم يفرغونها. أليست لدينا قدرة على التجديد؟ من يتحمل مسؤولية ضعف الأحزاب السياسية، انظري ماذا يحدث داخلها.

فهمت أن المنقذ في نظرك من مآل تنذرين به أو تحذرين منه سيتم بوسيلة سياسية، ما أود قوله، من ترينه مؤهلا من النخب السياسية، سواء كانت محزبة أو غير محزبة، التي من الممكن في هذا الظرفية أن تطرح بديلا، أو تفاوض كما تقولين أو تقول كفى نحن في مرحلة خطر؟

أنا لن أتكلم عن أسماء، وبكل صراحة لا تحضرني أسماء كثيرة، صعب، لكن يمكن أن أتحدث عن مبادرات يكون عنوانها هو: نحو أفق سياسي جديد في المغرب، وهذا الأفق ممكن ولنا كامل الإمكانيات لخلقه، تلزمنا مبادرة ينخرط فيها سياسيون من داخل الأحزاب جميعها التي لها رهانات ديمقراطية حقيقية ولها نضج، مع تجاوز الخلافات الإيديولوجية الصغيرة، يساري يميني والحروب الفايسبوكية، المبادرة التي أدعو لها تكون فيها شخصيات مستقلة موجودة في كل المؤسسات والمواقع، لاحظي في عشرينية حكم محمد السادس، خرج مستشارون يتحدثون عن أفق ملكية برلمانية، وقالوا إنه كانت هناك أخطاء واختلالات في العشرين سنة ولنا إمكانيات أن نتطور.

 

 

 

 

قبل قليل قلت إن التشهير نحّى السياسيين…

(مقاطعة) التشهير هو عملية تخويف.

هذا تناقض؟

نجاح التشهير هو نجاح عملية تخويف وركون للصمت، قلت لك هناك مسؤوليتان، مسؤولية الفاعل السياسي الذي يجب أن يقاوم، لأن في كل التاريخ هناك السلطة والسلطة المضادة، إذا نوع من السلطة لم يجد أمامه سلطة مواجهة مضادة تخلق التوازن، ففي العالم كله بما فيها الدول الأكثر ديمقراطية، ستجدين اختلالا في الميزان، بالنسبة إلي أعتبر عن قناعة أن المؤسسة الملكية فرصة بالنسبة للمغرب، طبعا ستتطور وتطور نفسها، كلما سمحت لها الفرصة التاريخية بذلك، ووجدت تحالفات متينة فهي تعبر أنها تقبل الانفتاح، لكن تجديد التحالفات توقف اليوم، لأنه ببساطة النخبة السياسية انسحبت من أدورها.

طيب، سأعود معك لمرحلة بداية العهد الجديد، وبداية التوافق وكيف كانت الآمال على أن مرحلة جديدة ستفتح، فجأة تمت تنحية اليوسفي رغم أن حزبه كان الفائز آنذاك، ويقول رأي آخر إنه حينها بدأ يظهر…

(مقاطعة) الانقلاب على المنهجية الديمقراطية “ياك”؟ سأطرح عليك سؤالا، هل وجد هذا الانقلاب نخبا احتضنته؟

أنا من يطرح الأسئلة..

أنا أتفاعل معك، هل وجد الانقلاب على المنهجية الديمقراطية من احتضنها ومنحها الشرعية؟ نعم، قلت لك إن المسؤولية مشتركة، فيها مسؤولية موضوعية ومسؤولية ذاتية.

نفس الشيء وقع مع بنكيران إذن، كان هناك من احتضنه؟

“البلوكاج” حينما تم خلقه، هل كانت هناك نخب سياسية احتضنته، وهي التي نفذته نعم أم لا؟ ولماذا يراد في لحظة أن نعفي النخب السياسية من كل شيء، ونقول إن هناك من يمارس عليها الهيمنة، إلى متى سنستحلي هذا الخطاب الذي من السهل علي كسياسية أن أمارسه، لكن لم أعد أحب ممارسته.

بلافريج في حوار معه قبل ثلاث سنوات، كان قد اعتبر أن الأمر يتعلق بشجاعة الفاعل السياسي..

نعم، ليس فقط شجاعة الفاعل السياسي، بل سأقول لك يجب على الفاعل السياسي أن يتوقف على الانسحاب من أداء أدواره، ويجب أن يعرف أنه لا يمكن أن يجد عبر التاريخ شماعات يعلق عليها دائما فشله وانسحابه، النخبة السياسية اليوم هشة جدا، نخبة لا تجدد نفسها.

 

 

شارك برأيك

هيان بن بيان

كما تخلصت من حجابك في باريس.

إضافة رد
مغربي

لم احترم هدا الحزب مادامت هده السيد منخرطة به.

إضافة رد