يونس خراشي يكتب: ثقب في الذاكرة – اليوم 24
يونس الخراشي
  • جواد غريب

    فسحة الصيف..  جواد غريب: فزت بالذهبية وعدت إلى الفندق في “الميترو”- الحلقة الأخيرة

  • جواد غريب

  • جواد غريب

    جواد غريب: تداريب الماراثون نزهة فوق الأشواك -حوار

الرأي

يونس خراشي يكتب: ثقب في الذاكرة

التأريخ للرياضة المغربية ليس هما لدى المسؤولين عنها. ولهذا يصعب الحديث عن الماضي بدقة، ووضع الأحداث السالفةفي سياقاتها الصحيحة، والخروج بخلاصات موضوعية. فالوثائق نادرة جدا. والكتابات قليلة. ومن عاشوا البداياتأغلبهم قضى نحبه، والباقون طواهم النسيان.

في سنة 2000، وكنت ضمن مشروعإيلافالإلكتروني، طلب مني صاحبه، عثمان العمير، أن أجمع ما يمكن منمعطيات أرشيفية عن الرياضة المغربية كي نضعها رهن إشارة الزوار في الموقع. غير أنني عدت من رحلة إلى الرباط،حيث زرت الوزارة الوصية، وعددا من الجامعات، بخفي حنين.

حين دخلت إلى قسم التواصل في الوزارة قيل لي إنهم بصدد الإعداد لموقع سيضم الأرشيف. وأين هو؟ وحين زرت عددامن الجامعات، كان واضحا جدا أن من استقبلوني، وتجمعنا صداقات أو معرفة بسيطة، يشعرون بالخجل، لأنهم لايملكون شيئا يستحق أن يقدموه لي.

وسنوات بعد ذلك، لم يتغير الوضع قيد أنملة. فحين كان الصديق منصف اليازغي، الباحث في السياسات الرياضية، يعددكتوراه السلك الثالث، في موضوعمخزنة الرياضة في المغرب، وجد نفسه يؤدي دورين عوض دور واحد. فبدل أن يدققفي المعطيات، ويقارن بينها، ويستخلص منها ما يتعين، اضطر إلى التأريخ أولا؛ أي جمع ما تسنى له من وثائق،وتصريحات، وذكريات، وأوراق متناثرة هنا وهناك، ليستخرج منها المعطيات الأكثر دقة، ثم يبدأ عمله في وقت لاحق.

وحدث الشيء ذاته مع أشخاص آخرين حركهم شغفهم بالبحث في تاريخ الرياضة المغربية. فوجدوا أنفسهم إزاءصدمات متتالية، مثل زلزال لا تتوقف ارتداداته. وقال لي الحسين الحياني، قيدوم صحافة الرياضة في المغرب، إنه أعدكتابا ضخما عنمائوية الرياضة في المغرب؛ من 1913 إلى 2013، دون أن يجد من يساعده في طباعته. وكان يتكلمعنه بحب جم، ويحكي الحكايات، ثم يتحسر، وينتهي إلى نتيجة واحدة:”قد أسمعت لو ناديت حيا…. ولكن لا حياة لمنتنادي“.

ولأن رياضتنا بلا تاريخ؛ أو تقريبا، فستجد، حتى ونحن في عصر الرقمنة، والمعلومة، وقاعدة البيانات، وبنوك المعطيات،وسلاح المعرفة، صراعا تافها جدا بين عشاق ناديين، أو بطلين، أو رياضتين، حول معلومة تعود إلى السنوات الأولى منالاستقلال، أو التي قبلها، أو حتى التي جاءت بعد ذلك. وحين تقرأ ما يكتبون، تعرف بحسك النقدي بأن كل المعطيات، أوأغلبها، وهو الأرجح، مبنية على العاطفة، ويقودها الخيال، فيما الواقع شيء آخر تماما.

ولعلنا جميعا نتابع، كل يوم تقريبا، ثم في مناسبات بعينها، ذلك الشد والجذب بين من يعشقون الوداد ومن يهيمونبالرجاء، وكل منهم ينتصر لمعطيات يرى أنها الأصح والأدق ولا يرقى إليها شك، مع أن الأغلبية لا تتوفر على معلوماتدقيقة وسليمة، مستخرجة من الوثائق، أو من أفواه من عاشوها، دون أن يحوروها، أو يصبغوها بصبغة ترضيهم، فتخفيشيئا من حقيقة ما جرى، أو تضفي على القصة لمسة الأسطورة.

وحين يأتي الحديث، مثلا، عن محمد بلحسن العفاني، أوالأب جيكو، الذي كان له دور محوري في تأسيس الوداد (فرعكرة القدم)، ودور أساسي في بناء أسلوب اللعب لدى الرجاء، عندما التحق به، يكون حديثا عن شخص هلامي، بلا اسم،أو ماض، أو خصوصيات تهم منشأه، ومساره الدراسي، وحياته الخاصة. لا بل إنه سرعان ما ينتهي دون أي نهاية. فلانعرف كيف غادر ملاعب الكرة، ثم كيف قضى بقية حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم.

وبالنتيجة، ودائما مع هذا المثال الصارخ، فإنك لا تجد أيا من الناديين، الوداد والرجاء، يحتفي بهذه الشخصية الفريدةالتي طبعت بداياتهما معا، وأثرت تأثيرا كبيرا في نشأة الكرة المغربية، بل وحتى الثقافة الكروية في المغرب؛ بفضل تعددلغاته، وسعة اطلاعه، وعشقه العجيب للعبة، وتمكنه من أساليب التدريب، وقدرته الفريدة على قيادة الفريق إلى الفوز.

التأريخ ليس ترفا. إنه واجب. فكلنا يعرف بأن من لا يعرف ماضيه قد يكرر أخطاءه، فيعيش في حلقة مفرغة، بلا أيخطوات نحو الأمام. ولذلك، فحينما يفكر مغربي عاشق للريال أو البارصا في زيارة ناديه المحبوب بإسبانيا، يجد نفسه،بالضرورة، وسط التاريخ. فالمتحف قطعة أساسية من النادي، وفيه ينطلق الزائر نحو الماضي البعيد والقريب، حيث يطالعمسار الفريق من البدايات إلى حيث هو اليوم، صورة بصورة، ووثيقة بوثيقة، وإحساسا بإحساس.

لنعكس الآية، ونفترض، جدلا، بأن أحد الإسبان، من عشاق ريال مدريد، سمع بقصة تقول إن ناديه رغب، يوما، في التعاقدمع فارس كرة القدم المغربية أحمد فرس، فأحب أن يزور ناديه؛ أي شباب المحمدية، ويتعرف على مساره، ويشاهد، هناك،الكرة الذهبية. ترى هل سيجد للنادي مقرا ما؟ هل سيجد بالملعب متحفا يليق بالتاريخ الكبير لشباب المحمدية؟ كم كتابا،يا ترى، سيقتني، عدا كتاب الصديق عبدالعزيز بلبودالي عن سيرة فرس؟ وهل سيجد في مقر الجامعة رواقا يخصاللاعب العظيم؟ هل سيجد فيها صوره؟ هل سيعثر على مجسم لأحد صناع لقب 1976؟

بالنسبة إلى بقية الرياضات، وبقية الأحداث الرياضية الكبرى، وغيرها، فحدث ولا حرج. فقبل أيام فقط علمت من أيقونةالكرة الطائرة المغربية، ثريا أعراب، بوفاة محمد حمدي، الرئيس الأسبق لجامعة الكرة الطائرة، وأحد صناع تاريخهاالكبار، الذي دفن في صمت ظالم، بعد مرض طويل، ونكران بشع للجميل. والجارح أكثر أن تاريخا كاملا، بتفاصيلهالمشوقة، دفن مع الرجل الذي كان عاشقا متيما بالكرة الطائرة، ويتنفس بمروياتها، وصورها، وماضيها، مستغربا ما مسهمن نسيان، وجحود.

وها هو طواف المغرب للدراجات، الذي انطلق سنة 1921، وفاز بدورته الأولى دراج مغربي، يشارف على مائويته(2021). ترى أين نجد تاريخه؟ وأين نجد متحفه؟ وأين نجد سيرة أبطاله المغاربة والأجانب؟ وحكامه؟ وصحافييه؟ومسيريه؟ وإدارييه؟ وأين نجد صوره؟ وكيف يمكننا أن نحكيه للجيل الجديد، فيعرفه، ويحبه، ويتشبث به، وينهض ليبقيهبناء متينا راسخا؟

إلى هذا الحد لا يزعجنا هذا الثقب الكبير في ذاكرتنا؟ إلى هذا الحد لا يقلقنا هذاالزهايمرالعضال؟ إلى هذا الحد لانبالي بمن سيأتون بعدنا فلا يجدون أجوبة لأسئلة التاريخ الرياضي، فيسقطون في الخطأ، أو يتناوشون بسبب غيابالمعلومة؟

من يجيب؟ 

شارك برأيك