حفيظ: هكذا كانت الصحافة.. وهذه هي الأسباب التي دفعتني إلى مغادرتها- حوار – اليوم 24
محمد حفيظ
  • جرائم تهز الاغتصاب

    دعوات إلى تعزیز إجراءات حمایة الطفولة وتعریة حقیقة الاغتصاب

  • سعيدة الكامل تكتب: المضربون عن الطعام شرهون!

  • محامون

    المحامون يطلبون المساعدة لتجاوز محنة “كورونا” وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية

حوار

حفيظ: هكذا كانت الصحافة.. وهذه هي الأسباب التي دفعتني إلى مغادرتها- حوار

منذ ظهور الصحافة المستقلة بالمغرب والسلطة تنظر إليها بعين التوجس، وحين تكون «سلطة مضادة»، فالتدافع قد يؤدي إلى منع صحف واستهداف أخرى بوابل من الغرامات الثقيلة، وقد يدفع بصحافيين إلى هجر المهنة أو البلد. في هذا الحوار، نسرد حكايات واقع الصحافة بين الأمس واليوم، وكيف يؤدي انكماش مجال الحرية إلى انكماش الحقل السياسي، والعكس صحيح.. حكاية تزداد قتامة كلما ضاق صدر السلطة أكثر، وبين الماضي والحاضر تغيرت مواقع صحافيين، لكن ظاهرة التشهير لا يمكن أن تكون رؤية صحافية، بل هي اعتداء جسيم على الصحافة، يقول حفيظ، الذي تحدث بصفته صحافيا انتقل من قيادة الشبيبة الاتحادية إلى قيادي، حاليا، بالحزب الاشتراكي الموحد، وبين الانتقالين نقط وفواصل، في حديث أسر فيه بأنه لولا التضييق ما كان ليترك الصحافة، وأن تهما من التي يتابع بها الصحافيون اليوم، لم تكن تخطر على بال جيلهم، فما الذي حدث؟

نبدأ بسؤال عام حول علاقة الصحافة بالتحولات الديمقراطية، كي يكون الخيط الناظم في حوارنا هو هذه الجدلية بين المجالين السياسي والديمقراطي والمجال الصحافي بالمغرب. كيف تصف هذه العلاقة؟

بداية، هناك ارتباط جدلي بين الحرية والصحافة، لا يمكن أن نتصور عملا صحافيا دون حرية. والممارسة الصحافية، في أي بلد كان، تعطينا فكرة عن المؤشر الديمقراطي الذي بلغه هذا البلد أو ذاك، فلا ديمقراطية دون حرية. وترتيب المغرب في سلم حرية الصحافة يظهر المستوى الذي بلغته الممارسة الديمقراطية. هذا هو الرابط بالنسبة إلي بين الصحافة والديمقراطية. ثانيا، بالنسبة إلى الصحافة، فالأمر يتعلق، قبل كل شيء، بحق من حقوق الإنسان، قبل أن نتحدث عنها بصفتها مهنة. وهو حق كل شخص في الحصول على المعلومات واستقائها ونقلها ونشرها بأي وسيلة كانت. وبالتالي، فالمساس بحرية الصحافة هو مساس بحق من حقوق الإنسان، ومزاولو هذه المهنة هم في الوقت نفسه يضمنون حقا نصت عليه المواثيق الدولية، فهم مثل الطبيب الذي يزاول مهنة، لكنه يسهم في الحفاظ على الحق في الحياة. حينما يكون هناك اتساع في حرية الإعلام وحرية الصحافة، نشعر بأن هناك فضاء للحرية، وبالتالي، فضاء للديمقراطية، وليس مصادفة أنه في السنوات الأخيرة للحسن الثاني كان هناك نوع من «الانفتاح».

خلال العشرين سنة تقريبا التي باشرت خلالها الصحافة، ثم واكبت تحولاتها فيما بعد، كيف يمكن أن توجز العلاقة بين ما عرفه مجال الصحافة وبين ما اعتمل من تغيرات في الحقل السياسي؟ وكيف كان ينعكس انكماشه واتساع حريته على الصحافة؟

يمكن أن نقول إنه كان هناك دور مهم للصحافة في الإسهام في تأهيل الحقل السياسي، لأنه حينما تنشر المعلومة، وحينما تقوم بتحقيقات وربورتاجات وحوارات، فأنت تسهم في تأهيل الحقل السياسي. لم يكن جزء كبير من المعلومة يصل إلى الرأي العام حينما كانت الصحافة الحزبية هي المهيمنة على المشهد الصحافي، فالكثير من المعلومات التي تخص الأحزاب التي ينتمي إليها مواطنون في القرى والمدن والجبال لم تكن تصل إليهم، لأن القيادة المركزية للحزب كانت تنشر ما تريد في جريدتها، وكان يبدو كما لو أن هناك نوعا من «التواطؤ» بين مختلف الأحزاب على حجب المعلومة، وحينما انطلقت الصحافة غير الحزبية، أصبح من الممكن الاطلاع على المعلومات والمعطيات، وبدأ المغاربة يعرفون ما يحدث في الأحزاب من خلال الصحافة غير الحزبية، لأن القيادة كانت تتحكم غالبا في صحيفة حزبها وتعين مديرها، وقد يكون هو الكاتب الأول أو الأمين العام للحزب. حينما نشعر بالحرية في الممارسة الصحافية، فهذا مؤشر على وجود إرادة معينة لدى الدولة للانفتاح.

بدأت العمل الصحافي سنة 1993، وسؤالي عن سنة 1996 والحدث الذي وسم تلك المرحلة، وهو حملة التطهير التي شنها إدريس البصري آنذاك، هل فعلا تسببت في انزياح جزء من النخبة الاقتصادية، التي كانت مقربة من النظام أو محسوبة عليه، نحو أن تصير فاعلة في المجال الإعلامي، سواء بشكل علني أو بطرق غير مباشرة، وما دلالة هذا الأمر؟ وكيف تصير الصحافة مجالا للتدافع حول السلطة؟

كانت الحملة بأمر من الملك الحسن الثاني، وقادها وأشرف عليها وزير الداخلية إدريس البصري، ونظرا إلى أن وزارة الداخلية أخطبوط ممتد على الصعيد الوطني، فقد صار البصري هو المتحكم في الحملة التي كادت تعصف بالمغرب، لأنها كانت مثل «حق أريد به باطل»، حيث كان الهدف المعلن هو استهداف التهريب. من المحتمل أن الدولة كانت تريد أن تقدم إشارة إلى أنها تريد محاربة الفساد والمفسدين والمهربين، فإذا بالأمر يتحول إلى حملة انتقامية من رجال الأعمال بمختلف فئاتهم، صغارا ومتوسطين وكبارا، وفي أيام معدودة كان هناك مئات الموقوفين والمعتقلين، إلى درجة أن الحملة كادت تعصف بالوضع الاقتصادي كاملا، لأنها أحدثت أزمة مالية. لقد صار البصري متحكما في الحملة. وقد صدرت شهادات عن مسؤولين في الحكومة حينها، أفادوا فيها بأنهم لم يكونوا على علم بما كان يقوم به البصري. وقبل أن تستفحل الأمور، تدخل الملك ليضع حدا لتلك الحملة. لقد دفع ذلك الحدث الاتحاد العام لمقاولات المغرب وقيادته إلى اتخاذ موقف مناهض للحملة. لعب الإعلام حينها دورا، لأن البصري كان يتحكم آنذاك في كل مفاصل الدولة، ووظف الإعلام لصالحه في تلك الحملة، وأساسا الإعلام العمومي، وصار التلفزيون كأنه يزكي هذه الحملة، وكذلك بعض الصحف بطبيعة الحال، لكن، فيما بعد، تولت صحف أخرى كانت تأخذ مسافة من الدولة، وضمنها صحف حزبية، إحداث نوع من التوازن، وربما في هذه الفترة بدأ يظهر أن بعض رجال الأعمال بدؤوا ينتبهون إلى دور الإعلام باعتباره سلطة ضرورية لكي يكون هناك توازن بين السلط، ففي يوميات حملة التطهير، لاحظنا أن السلطة التنفيذية أصبحت مهيمنة على السلطة القضائية والتشريعية، وظهر أن الإعلام له دور، لذلك، فإن سلطة الإعلام، وإن كانت رمزية، فإن لها أثرا في الواقع.

شكلت مرحلة بداية التناوب محطة مهمة في تاريخ الصحافة المستقلة، ما هي أهم سمات تلك المرحلة من حيث المواضيع السياسية التي كانت تتناولها الصحافة آنذاك؟

انطلق التناوب سنة 1998، لكن التحضير له بدأ قبل ذلك، وفي النصف الثاني من العقد الأخير من القرن الماضي،  صار بالإمكان الحديث عن ظهور تجربة صحافة مستقلة، وهي تجربة جديدة، كي لا ننفي التجارب التي عرفها المغرب من قبل. ففي التسعينيات، سنرى تجربة أخرى تمثلت في صدور مجموعة من الصحف التي خلقت مقومات تجربة صحافية جديدة في المغرب، إلى جانب التجربة الحزبية، وهي تجربة جديدة، ليس فقط لأنها مستقلة عن الأحزاب، ولكن لأنها شكلت إضافة نوعية في مسار الصحافة المغربية من حيث الممارسة الصحافية، حيث بدأنا نلاحظ اهتماما أكبر بالمهنية، التي لم تكن الهاجس الأول للصحافة الحزبية التي كانت تولي الأهمية للحزب واختياراته، كذلك، بدأت تولي تلك الصحف أهمية لجانب التحقيقات أكثر، خاصة مع تجربة الأسبوعيات التي كانت فيها ملفات منتظمة، وفي كل ملف تعالج العديد من القضايا التي كانت تدخل في عداد الطابوهات، فالصحافة الحزبية كانت لا تتجاوز حدودا معينة.

هل يمكن أن تعطينا مثالا على ذلك؟

مثلا، لم تكن الصحافة تتحدث بما يكفي عن المعتقل السري لتزمامارت، الذي كان الملك الراحل الحسن الثاني ينفي وجوده، وتحدثت عنه بعض الصحف الأجنبية. وحتى بعد الاعتراف بوجوده والإفراج عمن بقوا على قيد الحياة فيه، فإن أول حوار مع أحد الناجين من جحيمه كان في أسبوعية «النشرة»، وهو الحوار الذي استضفنا فيه المرحوم محمد الرايس، وكان ذلك قبل أن تنشر له حوارات أخرى في صحف أخرى. ففي مجال حقوق الإنسان، مثلا، بدأ تكسير هذا الطابو. وكذلك في مجال الاقتصاد، فمجموعة من المعلومات لم يكن بإمكان المغاربة أن يعرفوها بالمعطيات والأرقام والتحليل لولا تجربة الصحافة المستقلة التي بدأت تنجز ملفات وتحقيقات في الجانب الاقتصادي والمالي، وبفضل ذلك صار المغاربة يعرفون أن هناك مجموعة من أقلية الأقليات هي التي تتحكم في اقتصاد المغرب، سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام. كذلك، لاحظنا أن هذه الصحافة انفتحت على مختلف تيارات الرأي والفكر، فنجدها تحاور الإسلامي واليساري، وتحاور المقرب من الدولة ومن يعارضها. وحين تنجز ملفا ما، تأخذ بعين الاعتبار التعدد والتنوع، فنجدها تورد مختلف الآراء والمواقف. طبعا، هناك تفاوت بين الصحف، لكنني أتحدث عن تجربة عايشتها واشتغلت بها وعن تجارب أخرى كانت بموازاتها. وكما عشنا ذلك، فقد بدأ الناس حينها يشعرون بأنهم يعيشون زمنا صحافيا جديدا بالمغرب.

كانت ولادتك الصحافية من رحم ما يسمى بالصحافة الحزبية مع «النشرة»، وإن كنت لا تفضل هذا التوصيف لتلك التجربة، ورغم أنه في تلك الظرفية كان مجال حرية الصحافة أرحب إلا أنها…

(مقاطعا) بداياتي في المجال الصحافي كانت في أسبوعية «النشرة»، وفيها تعلمت أبجديات العمل الصحافي، وكان عملا في إطار نضالي وتطوعي، ولا أعتبرها تجربة للصحافة الحزبية. «النشرة» ليست صحيفة حزبية بمعنى الصحف الحزبية كـ«العلم» و«الاتحاد الاشتراكي». نعم، هي صحيفة أسستها منظمة شبابية تنتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، هي الشبيبة الاتحادية، حين كان على رأسها الأستاذ محمد الساسي، لكنها كانت مستقلة في عملها الصحافي. وهذه التجربة جاءت في سياق اشتداد الاختلاف داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، والذي كانت قد برزت ملامحه بوضوح في المؤتمر الوطني الخامس سنة 1989، حيث بدأ الحديث عن خلاف بين توجهين؛ أحدهما محسوب على محمد اليازغي الذي كان متحكما في الآلة التنظيمية للحزب بيد من حديد، والآخر محسوب على نوبير الأموي، وكان يسمى «التيار النقابي». كانت الشبيبة الاتحادية معايشة لهذا الصراع، وكانت لها مجموعة من المقترحات للتدبير الحزبي والدمقرطة الداخلية. وقد أسسنا «النشرة» في نونبر 1993، في الوقت الذي كان اليوسفي قد قدم استقالته من مسؤوليته على رأس الحزب وغادر المغرب إلى مدينة «كان» بفرنسا، في تلك الخطوة التي فسرت على أنها احتجاج على تزوير انتخاب الثلث غير المباشر بمجلس النواب. وكنا، في الشبيبة، من المتشبثين بعودة اليوسفي ليزاول مهامه قائدا للحزب، وحتى الأموي ومن كانوا ينتسبون إلى التيار النقابي كانوا متشبثين بعودة اليوسفي. كنا ننشد الحرية، ونريد أن نفسح المجال لأنفسنا للتعبير عن رأينا في الشأن السياسي والحزبي. لقد شعرنا بأننا شباب لم يكن لنا مجال لنعبر عن وجهة نظرنا، وكنا نشعر بأن جريدة الحزب لا تفتح لنا المجال كما ينبغي، خاصة أن من كانوا يديرونها ويتحكمون فيها محسوبون على اتجاه اليازغي. ومنذ البداية، اتخذت «النشرة» مسافة من الحزب، وكنا نطبع في مطبعة خاصة، رغم أن الحزب كانت له مطبعته، وانطلقنا بهيئة تحرير كان كل أعضائها متطوعين، ونجحنا في أن ننتظم في الصدور، حيث كانت الصحيفة تنزل إلى الأكشاك في موعدها مرة كل أسبوع.

استمرت »النشرة» إلى غاية 2001، وصرت مديرا لها بعد محمد الساسي، وصار اليوسفي وزيرا أول، وعلى حد علمي، كان هناك تضييق عليكم من قبل حكومة اليوسفي، ما طبيعة تلك التضييقات؟

ستسوء العلاقة مع اليوسفي بعد موقفنا من دستور 1996، لأن اليوسفي أتى لينفذ ما جرى الاتفاق عليه مع الحسن الثاني، وليدخل الحزب في تجربة سياسية جديدة في إطار التناوب التوافقي، ولم يخبرنا بفحوى القسم بينه وبين الحسن الثاني، فقط أخبرنا به. في الشبيبة، كان لنا موقف ضد دستور 1996، وكنا نرى أنه يفتقر إلى الشروط التي ستمكن الحكومة من ممارسة مهامها كاملة، ومازلت أتذكر افتتاحية بـ«النشرة» كتبها الساسي بعنوان: «الدستور الذي نريد»، وكنا ضد مشاركة الحزب في الحكومة. أنا صرت كاتبا عاما للشبيبة في المرحلة التي صار فيها اليوسفي وزيرا أول، وكان هناك تعارض في الخط؛ نحن لدينا خط نقدي إزاء الحكومة التي يرأسها حزبنا، وكنا نطالب الحزب بأن يحافظ على المسافة بينه وبين الحكومة، وأشير إلى افتتاحية «النشرة» التي حملت عنوان «المسافة الضرورية». وكان هذا يزعج اليوسفي الذي كان يسعى إلى الحصول على دعم شبيبة حزبه لتجربته. وهذا ما جعل العلاقة بيننا تزداد توترا، ووصلت إلى حد إقدام اليوسفي على منع طبع «النشرة». كان ذلك في سنة 2000 بسبب افتتاحية كتبتها ردا على افتتاحية بجريدة الحزب. فقد كانت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني نظمت نشاطا بمسرح محمد الخامس بالرباط، شارك فيه الفنان الساخر أحمد السنوسي (بزيز). وخلال عرضه الفني الساخر، انتقد أحد مستشاري الملك. وعلى غير عادتها، سارعت جريدة الحزب «الاتحاد الاشتراكي»، التي كان يديرها اليوسفي نفسه، إلى نشر افتتاحية قاسية ضد الفنان السنوسي، والتقت في ذلك مع ما كتبته جرائد أخرى ضده. وعلى إثر ذلك، كتبت افتتاحية في العدد الموالي من «النشرة»، أرد فيها على افتتاحية «الاتحاد الاشتراكي». كنا حينها نشتغل في المقر نفسه لجريدة الحزب، بعدما أصبحنا نطبع «النشرة» في مطابع الحزب، وكان القسم التقني الذي يركب مواد «النشرة»، هو نفسه الذي يوضب مواد «الاتحاد الاشتراكي». لم نكن نعلم أنه كان يجري الاطلاع على مواد «النشرة»، وإخبار مسؤولي جريدة الحزب بمضمونها. لقد أُبلغ اليوسفي بمضمون الافتتاحية، فأعطى الأمر بعدم طبع العدد. اعتبرتُ أن ما وقع هو اعتداء علينا، وعلى جريدتنا. وكان رد فعلنا أن نظمنا ندوة صحافية بمقر الشبيبة الاتحادية بالرباط، واستدعينا وسائل إعلام وحقوقيين، وقلت خلال الندوة إن جريدة «النشرة» لها مدير نشرها ولها هيئة تحريرها، وعبد الرحمان اليوسفي ليس مديرها ولا هو مسؤول عن هيئة تحريرها، لذلك، ليس من حقه أن يتخذ قرارا بشأن منعها من الطبع، وقلت إن المطبعة هي مطبعة الحزب، وليست مطبعة اليوسفي، ولا يمكن أن يستعملها كأنها في ملكيته الخاصة. وغطت الندوة كل من القناة الأولى والقناة الثانية، حيث نقلتا وقائعها وتصريحاتي، وعلمت أن اليوسفي غضب من ذلك، واتصل بمسؤولي الشركة الوطنية، أظن بفيصل العرايشي، واحتج على نقل القناتين أطوار ندوتنا الصحافية. لكن، وشهادة للتاريخ، لم يصدر عنه أي تصريح مسيء، لم يصدر لا سب ولا شتم ولا تخوين، ولم يلجأ إلى الحزب لاستصدار أي قرار ضدنا.

خلال تلك الأزمة، ذهب بوبكر الجامعي وفاضل العراقي للقائك، ليقترحا عليك المساعدة كي تستمر «النشرة». ماذا كان موقفك؟

هذا صحيح، وهو موقف لا يمكن أن يُنسى، لقد كان موقفا عكس قيمة التضامن الصحافي. قال لي بوبكر: “بعدما علمنا أن اليوسفي منعكم، فإننا نضع رهن إشارتكم مقرنا ووسائل عملنا لطبع جريدتكم”. شكرته، وقلت له: “لا نريد أن نسبب لكم أي مشكل في هذا النزاع الحزبي، وأنتم تجربة صحافية مستقلة، وقد تتسبب استضافتكم إيانا في مشاكل لكم، وأفضل أن نعالج الأمر في إطار حزبي”. لقد عبر بوبكر عن موقف تضامني نبيل، وأبان عما ينبغي أن يكون عليه الصحافي حينما يتعرض زميل له لمضايقة ما، بسبب بتوقيف جريدته أو منعها أو التضييق على حريته، هذا هو التضامن المهني. كنا نشعر بأن هناك أشياء كثيرة تجمعنا، وأن هناك تقاطعا في التجربة الصحافية، نحن من موقعنا داخل تنظيم شبيبي حزبي، وهم من تجربة آتية من خارج العمل الحزبي، وشعرنا بأن هناك قواسم مشتركة بيننا…

فعلا سيحدث اللقاء وستلتحق بـ«الصحيفة» بعدما غادرها جزء مهم من طاقمها الأساسي. كيف حدث الاتفاق من أجل الالتحاق بـ«الصحيفة»؟

بالمناسبة، ينبغي ألا ننسى أن «الصحيفة» و«لوجورنال» كانتا ضحيتي منع في عهد حكومة التناوب التي كان يرأسها اليوسفي، فهذا الأخير منع «لوجورنال» و«الصحيفة» و«دومان» لعلي المرابط، وهم من خارج الحزب تعرضوا للمنع ونحن من داخله تجرعنا مرارته، لقد مارس اليوسفي عليهم المنع باعتباره وزيرا أول، ونحن مارسه علينا بصفته كاتبا أول. بالنسبة إلى التحاقي بـ«الصحيفة»، أذكر أنه في نهاية يوليوز 2001، وفي إطار حرص بوبكر الجامعي على استمرار «الصحيفة»، بعد المغادرة الجماعية لصحافييها رفقة رئيس تحريرها، باستثناء الزميل الصديق عبد العزيز كوكاس وبعض التقنيين، اتصل بي بوبكر ودعاني إلى لقاء بمنزله. وخلال اللقاء، الذي حضره محمد الساسي وكوكاس، اقترح علي الالتحاق بالعمل في «الصحيفة» والمشاركة في انطلاقتها الجديدة. شكرته على دعوته الجميلة، فأنا أيضا كنت معجبا بالتجربة الصحافية التي كان يقودها. لكن أسبابا تنظيمية كانت تمنعني حينها من الالتحاق بـ«الصحيفة»، أو بالأحرى تدفعني إلى تأجيله. فقد كنت لاأزال مدير «النشرة» وكاتبا عاما للشبيبة الاتحادية، وإن كانت علاقتي بالحزب قد انتهت تقريبا بعد مقاطعة المؤتمر الوطني السادس، والاستعداد لتنظيم أنفسنا في إطار جمعية «الوفاء للديمقراطية». أخبرته بهذه الأسباب، ووعدته أنه بمجرد ما أرتب أموري سيسعدني الالتحاق بهم للاشتغال معهم. وذلك ما كان، حيث سألتحق في ربيع 2003. وقد نجحت «الصحيفة» في الاستمرار، حينما أصدرت عددها الصيفي، بعد المجهود الاستثنائي للصديقين كوكاس وأحمد بوز وبعض الصحافيين الذين التحقوا في آخر أسبوع من شهر يوليوز قبل العطلة السنوية التي اعتادت الأسبوعيات أن تأخذها في شهر غشت.

إذا أردنا التحدث، من خلال تجربتكم، عن إشكالية السلطة والمال، كيف يمكن أن يمارس الممولون تأثيرهم، وماذا عن علاقة خط تحريري مستقل للجريدة مع السلطة؟ كيف توجز العلاقتين بتعقداتهما وإكراهاتهما؟

حين التحقت بـ«الصحيفة»، كان انشغالي محصورا في الجانب التحريري، ولم تكن لي صلة بالجوانب الإدارية والمالية، لكننا كنا نشعر بأن هذه الجريدة تُحرم من الإعلانات التي تستحقها بمنطق السوق، إذ لا يمكن أن تكون مبيعاتك أضعاف ما تبيعه جريدة أخرى، وحين تفتح هذه الأخيرة تجدها مليئة بالإعلانات وجريدتك لا تحظى بذلك. كنا نشعر بهذا النوع من «التأديب»، إذ كان التضييق المالي من العناصر الأساسية في التضييق على الصحافة وعلى الإعلام، لذلك، كان بوبكر يقول دائما إن الدعم الحقيقي الذي يمكن أن تمنحه لنا الدولة ليس الدعم المالي العمومي، وإنما هو أن تدعنا نعمل بحرية، ولينافس بعضنا البعض منافسة شريفة، والرابح سيأخذ القسط الأوفر من الإعلانات. وبالمناسبة، لم يسبق لـ«الصحيفة» أو «لوجورنال» أن طلبا الدعم العمومي. لقد كان هناك تضييق مالي، فوسائل الإعلام، ومنها الصحف الورقية، لا يمكن أن تستمر دون إعلانات. والصحف الورقية، حتى وإن باعت كل ما تطبعه مائة في المائة، لا يمكن أن تعيش بالمبيعات فقط. وحينما يغلق صنبور الإعلانات بقرار فيه بعض التضييق و«التأديب»، فهنا يحكم بالإعدام على التجربة، لأنه، في نهاية المطاف، يجب أن تؤدي أجور الصحافيين والتقنيين، وتجد نفسك تراكم العجز يوما بعد يوم، فإما أنك سترضخ، وإما أنك ستتوقف.

سنتحدث عن واقعة إعلامية عايشتها، وهي واقعة تالسينت. على حد علمي، لما وقع الخلاف حول صدقية الخبر الذي نشرتموه من عدمها، وكيف يمكن التعامل معه، التجأتم إلى لجنة تحكيم كان فيها محمد الساسي وبوبكر الجامعي، الذي كان قد غادر المغرب. كيف وقع الاختيار على الاثنين؟

كنا نشرنا في أحد أعداد يومية «الصحيفة» (بعدما صارت يومية)، في نهاية يناير من سنة 2007، مادة خبرية ذات صلة بتداعيات لها علاقة بإعلان اكتشاف البترول في تالسينت. وفي حدود العاشرة صباحا من يوم صدور العدد، اتصل بي المرحوم فاضل، وأخبرني بأنه جرى إبلاغه بأن خبرا بالجريدة فيه مشكل، وطلب مني أن نلتقي لتداول الأمر. كان اللقاء بمكتبه. حين التقينا، أخبرني بأن ما نشرناه كانت له تداعيات ذات صلة بمحتوى المعلومات التي تضمنتها المادة. اتصلت بأحمد بوز، وكان حينها رئيسا للتحرير، وطلبت منه أن يلتحق بنا. واتصل فاضل بعلي عمار من «لوجورنال»، والتحق بنا هو الآخر، وجلب معه بعض الوثائق ذات الصلة بموضوع المقال الذي نشرناه، وكشف من خلالها أن الشخص الذي نشرنا ما جاء في رسالته سبق أن بعث برسائل عديدة إلى جهات مختلفة، وأنه في كل مرة يدلي بمعطيات متضاربة ومتناقضة، وقدم لنا نسخا من بعض الرسائل. وفي خضم النقاش، تدخل المرحوم فاضل، وقال: 
”أنتم من يجب أن يقرر الكيفية التي ستعالجون بها هذا الأمر، أنتم الصحافيون، وأنتم من بيده الأمر، أنا فقط أخبرتكم بأن المقال خلف غضبا شديدا”. واقترح علينا، لكي نطمئن إلى ما سنتخذه، أن نستشير شخصين نقدرهما جميعا، بخلفيتين صحافية وسياسية، فاتفقنا بشكل تلقائي على شخصين، هما بوبكر، الذي كان يوجد حينها بلندن لمتابعة دراسته، ومحمد الساسي بالرباط. اتصلنا بالساسي، وطلبنا منه أن يقرأ المقال المنشور في «الصحيفة»، ويخبرنا برأيه فيه، وأرسلنا المقال عينه إلى بوبكر بواسطة الفاكس، وطلبنا من كل منهما قراءته وإبداء الرأي فيه. اتصلا بنا، وكان لهما رأي متطابق؛ قالا: “إن ما نشرتموه يتطلب الاعتذار”. حينما يلتقي هذان الصديقان حول هذا الرأي، فهذا يجعلنا مطمئنين إلى القرار الذي اتخذناه بالاعتذار. نحن كنا نمارس المهنة بكل تواضع وباحترام للجميع، وكنا نمارس الصحافة بنفس مهني وأخلاقي، وليس من أجل الكسب أو الربح. لذلك، حين نطمئن إلى أي قرار، فإننا نتخذه دون تردد، وذلك ما كان. لكن، للأسف، هناك من كان يسعى إلى أن يستغل الأمر، وأراد أن يدفع في اتجاه تأزيم الوضع والتوجه نحو التضييق علينا، لكننا تعاملنا مع ما وقع بنضج كبير…

من هي الجهات التي كانت تريد توريطكم؟

الذين قدموا تصريحات سريعة ودبجوا افتتاحيات وكتبوا مقالات. لا يهمني الآن أن أذكر أسماءهم، هم يعرفون أنفسهم، هناك من صرح في الصباح نفسه، عوض أن يتريث وينظر ما إذا ما كان المعنيون بالأمر سيعالجون المشكل، وتفوه بتصريحات بهدف تأجيج الوضع وصب الزيت على النار. لكننا نجحنا في معالجة المشكل، ولم نبرح ذلك اللقاء، حتى كتبنا ذلك التوضيح، وفي المساء، وجه الديوان الملكي رسالة إلى نقابة الصحافة حول قرار الملك عدم متابعة يومية «الصحيفة» قضائيا.

وكيف تلقيتم رسالة الديوان الملكي وتعامل الملك مع جريدة مزعجة؟

في العمل الصحافي، هناك بيان حقيقة وتوضيح وتصحيح وتكذيب واعتذار، فحينما ينشر مقال، ويظهر لك بعد ذلك أن بعض معلوماته غير دقيقة أو غير صحيحة، فإن قواعد الصحافة تلزم الصحافي بالتصحيح أو الاعتذار. وكذلك حين يجد طرف معني بما نشر أن المعلومات غير دقيقة أو غير صحيحة، فيمكنه أن يوضح أو يكذِّب ما جاء فيها…

الطرف المعني هنا هو ملك البلاد؟

أنا أتحدث هنا بصفة عامة. بالنسبة إلينا في تلك الواقعة، لما نشرنا ما نشرناه وتبين لنا أنه غير صحيح، أقدمنا على الاعتذار. والفيصل هنا هو حسن النية. الصحافي إذا كان ملزما بالتدقيق عليه أن يدقق، وإذا كان ملزما بأن يكذّب خبرا نشره، عليه أن يقوم بذلك. وقد كنا دائما نقول، في دفاعنا عن الصحافيين، يجب أن ننظر في ما إذا كان مبدأ حسن النية متوفرا. فحتى القاضي، حينما يظهر له حسن النية، فإنه يأخذه بعين الاعتبار. المشكل هو حينما يكون وراء النشر سوء نية. قلتِ إن الأمر يتعلق بالملك، طبعا فهذه دولة، ولها ما يكفي من الوسائل لتعرف من له كانت نيته حسنة، ومن يتصرف بسوء نية، ونحن تجربتنا كانت تسبقنا، ومواقفنا واختياراتنا كذلك كانت تسبقنا. وفي مساري المهني من 1993 إلى 2012، لم يسبق أن كنت موضوع دعوى للسب أو القذف أو نشر خبر زائف، وكنت أحرص على أن أقرأ كل المواد، وأحيانا كنت أبالغ على حساب صحتي، وحينما كنت ألاحظ ملاحظة ما، أتصل بالصحافي وأخبره بذلك، حتى لا يقع في ما وقع فيه مرة أخرى. ولعل الكثيرين من الصحافيين الذين مازالوا يزاولون المهنة يتذكرون ذلك. وفي الحقيقة، كانت «الصحيفة» مجالا للعمل الصحافي ومدرسة للتكوين الصحافي.

حينما بدأت الأزمة المالية في «الصحيفة» و«لوجورنال» كيف…

(مقاطعا) كي أكون واضحا، ولايزال رفاقي على قيد الحياة، فارقنا منهم الصديق فاضل العراقي، لقد كنت منذ البداية منشغلا بما هو تحريري، نعم كنت مدير النشر، لكني كنت مكلفا بما يتعلق بالتحرير، ومع ذلك كنا منشغلين بكم ما لدينا من الإشهار وكم بعنا وكم عدد المرجوعات. مهمتنا لم تكن تنتهي حينما تطبع الجريدة، والمهمة الصعبة كانت تبدأ بعد الطبع. في يوم كان هناك لقاء في مكتب بوبكر الجامعي بمقر «لوجورنال»، حضره هو وأنا والمرحوم فاضل العراقي وعلي عمار والمسؤول المالي عصام بركاش، والمدير الفني إبراهيم دامو. وكان موضوع اللقاء النظر في الوضعية المالية لـ«الصحيفة». وضع أمامنا المدير المالي المعطيات كاملة، فلاحظنا أن هناك عجزا كبيرا يزداد عددا إثر عدد، ويشتد باشتداد الحصار الاقتصادي. كنت أتلقى المعطيات وأنا أنظر إلى فاضل العراقي، إلى رجل الأعمال هذا الذي أتى يخاطر بماله ويستثمر في مجال صعب، ربما كان يمكن أن يستثمر أقل من ذلك في مجال آخر ويربح. لم يتخذ القرار لوحده، واكتفى بأن قال: “ماذا يظهر لكم؟”، فتدخلت وقلت له: “يبدو أنه لم يعد لنا أي مجال للاستمرار، إذا كان الوضع هكذا، فمن الأفضل أن نتوقف”. لم يقل هذا الكلام فاضل أو بوبكر، وهو مؤسس الجريدة، قلت: “إننا صبرنا وكافحنا، وقد لاحظنا في التقرير أن فريق الإعلانات يتصل بالمؤسسات ويقوم بعمله كما ينبغي، لكن هناك قرارا لمنعنا من الاستمرار. وبالنسبة لي، من الأفضل أن نتوقف ونحن محافظون على خطنا، أو نستمر ونغير خطنا. الصحافي إذا لم يكن سيحافظ على استقلاليته، فلا داعي لأن يستمر في ممارسة هذه المهنة. رأسمال الصحافي هو استقلاليته المهنية. رأسمال الصحافي هو ألا يسمح لأحد بأن يملي عليه أن يفعل كذا وألا يفعل ذاك حين يباشر عمله. منذ أن باشرت العمل الصحافي إلى أن توقفت لم يسبق لأحد أن حمل الهاتف وقال لي لماذا فعلت هذا أو افعل هذا، لم يسبق أن حملنا قلما لنكتب ما يريده غيرنا، نكتب ما نؤمن به، قد نصيب وقد نخطئ، وإذا حدث أن أخطأنا، فلا نجد أي حرج في الاعتذار”. قلت لفاضل: “لم يعد هناك أي مجال لنستمر، فهذه يومية؛ يعني الطبع يوميا، ومصاريف يومية، وجيش من الصحافيين”… قلت له من الأفضل أن نتوقف، وذلك ما كان.

كانت هناك فكرة لبيع الجريدة؟

حسب علمي، كانت تخص «لوجورنال»، وانطلقت المفاوضات، كما يقع في جميع المؤسسات…

كانت العروض من اتجاهات متعارضة؟

تحدث بوكر كفاية وبشكل علني عما قاله للأمير مولاي هشام لما عبر عن رغبته في شراء أسهم بالشركة التي كانت تصدر «لوجورنال» و«الصحيفة»، واشترط عليه أن يكون دخوله بشكل علني وأن يُعلن ذلك في ندوة صحافية. أما بالنسبة إلى العروض الأخرى والمتأخرة، فما إن يبدأ الحديث، حتى يتوقف فجأة وفي آخر لحظة. كان المطروح بالنسبة إلى بوبكر دائما هو مصير طاقم اشتغل عدة سنوات في تلك المؤسسة، من صحافيين وتقنيين وفنيين ومسؤولي التوزيع وسائقين… ومن الأشياء التي كان يلح عليها هي حقوق هؤلاء، وهذا أمر مفهوم، كان يقول: «إيلا على ودنا هاد الناس غيتكرفصو، حنا مستعدين للبيع إذا أراد أحدهم أن يشتري، لكن هذه هي الشروط…». كان يحرص على أن يستمر العاملون بالجريدة. كانت تبدأ المفاوضات وفجأة تتوقف. هل تتدخل جهة ما؟ لا أدري، المهم أن الذي وقع هو أنه لم تكن هناك إعلانات ولا بيع.

من بين الذين كانوا يريدون شراء الجريدة، توسط شخص لشخص من رجالات الدولة، وطرح عليه بوبكر الشروط نفسها التي قيلت للأمير، وقد جرى اقتراح عقد ندوة صحافية لإخبار الرأي العام بأن «السلطة» (جهة أمنية) ستشتري الجريدة؟

الذي يمكنه أن يتحدث في هذا الأمر هو بوبكر.

من بين مشاكل الصحافة، سواء في عهدكم أو حاليا، هو هجرة أطرها، سواء عبر تغيير البلد أو المهنة أو تغيير البوصلة، بوكر غادر البلاد، بنشمسي غادر الصحافة، وأنت غادرت إلى الجامعة والبوز كذلك، وهي مجالات تظهر أهدأ وأكثر استقرارا، ألم تسهم هذه الهجرة في خفض جناح الصحافة المستقلة؟

أولا، مهنة الصحافة لا تفارق من زاولها، فمن مارسها يظل دائما صحافيا. وصفة صحافي لا تزول. إذن، أن يغير أحدهم هذه المهنة ليس قرارا سهلا، بل هي معاناة، وقرار صعب، واعتداء جسيم. لقد تعرضنا لاعتداء لمنعنا من ممارسة هذه المهنة. هل يمكن تخيل أن بوبكر الجامعي يمكن أن يتخلص من الصحافي الذي يسكنه؟ أنا الآن أجد العزاء في تدريس الصحافة. وبمجرد ما التحقت بالجامعة، اقترح علي مسؤولوها أن أؤسس مسلكا للإجازة المهنية في الصحافة، وهو ما تحقق سنة 2012، ولايزال المسلك مستمرا إلى اليوم بجامعة السلطان مولاي سليمان. لقد بقيت مرتبطا بالصحافة من خلال التدريس، وأشعر بأنني مازلت أمارس العمل الصحافي، أتابع الأجيال الجديدة من الصحافيين والتجارب الجديدة. لم تكن مغادرة الصحافة اختيارا جرى طواعية، بل كان قرارا مفروضا. وأظن أن هذه حالة الزملاء الذين ذكرتهم. فالأمر يتعلق، في الحقيقة، بهجرة قسرية، وليست اختيارية. منفى بوبكر كان قسريا وليس اختياريا. المجال الذي كنا نحرص على أن نتنفس فيه الحرية هو المجال الصحافي، ولحسن حظنا وجدنا مجالا آخر نتنفس فيه كذلك شيئا من الحرية، لأن المجال الأكاديمي والعلمي يمنحنا الحرية التي كانت تمنحنا إياها الصحافة، وليس مصادفة أن بوبكر دخل الجامعة وكذلك أحمد البوز وأنا…

ومن اختار الهجرة من خط تحريري إلى آخر؟

نتحدث عن الحريات الفردية والحريات الجماعية، أليس كذلك؟

نعم

إذن، يمكن أن ندرجها في إطار الحريات الفردية (يضحك)، لأن هذا اختيار كذلك. حينما نتكلم عن الصحافة والحرية، فنحن نتحدث عن الحرية في اختيار الخط التحريري، فهو أيضا مجال للحرية، وأنا دائما أدافع عن الحرية في اختيار الخط التحريري. قد تتعدد الرؤى التحريرية، لكن المهنة لها قواعدها التي لا يمكن أن نختلف فيها، فلا اختلاف في قواعد الصحافة ولا في أخلاقياتها. فإذا كان مسموحا لكل فريق صحافي بأن يختار الرؤية التي يريدها، فمن غير المسموح أن يعتدي على المهنة بعدم احترام قواعد العمل الصحافي وأخلاقياته، وهي قواعد كونية لا يمكن أن توضع في إطار خصوصية ما. وبالتالي، فإن الاعتداء عليها هو انتهاك للعمل الصحافي. أما الدفاع عن التصورات أو الرؤى، فهذا مجال للحرية.

وأين يندرج التشهير في ما تقوله؟ هل هو كذلك رؤية؟ هناك من قال إنه يدخل في مجال حرية التعبير؟

لا، ليس من حق أي مواطن، وليس بالضرورة أن يكون صحافيا، أن يمارس السب ولا الشتم ولا التشهير ولا التحقير ولا الحط بالكرامة ولا الاعتداء على الحياة الخاصة. أما إذا كان من يقوم بذلك صحافيا، فالاعتداء يكون جسيما… وهذا تحدده القواعد الأساسية لمهنة الصحافة وأخلاقياتها، فلا يمكن بدعوى الحرية أن أشهر أو أسب أو أشتم أو أحقر من قيمة شخص…

حينما حدث لقاء بينك وبين الساسي وفؤاد علي الهمة، كنت صحافيا؟

نعم، كنت صحافيا وعضوا بالمكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، وكان الهمة كاتب دولة في وزارة الداخلية. كان ذلك في صيف 2006. ويتعلق الأمر في الواقع بلقاءين اثنين. جرى اللقاء الأول، الذي حضرته ومحمد الساسي، ببيت رجل الأعمال عزيز أخنوش. وبعد أسبوع، جرى اللقاء الثاني، الذي حضره وفد حزبي يتكون من محمد مجاهد، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، ومحمد الساسي، وأنا، وحضره، بالإضافة إلى الهمة، كل من محمد معتصم، المستشار الملكي، وعزيز أخنوش، ومصطفى الباكوري، الذي كان حينها مديرا لصندوق الإيداع والتدبير، ومصطفى التراب، مدير المكتب الشريف للفوسفاط.

 وماذا كانت الرهانات؟

كان لايزال الحديث جاريا عن العهد الجديد، وكذا التعبير عن الرغبة في طي صفحة الماضي. لا بد أنه كان للداعين إلى اللقاء رهانهم، أما رهاننا نحن فمعروف، وهو الذي تؤطره استراتيجية النضال الديمقراطي. كان الداعون إلى اللقاء مسؤولين في الدولة، وربما كانوا بحاجة إلى التواصل المباشر لإبلاغ رأيهم في الوضع السياسي بالبلاد، واستعراض منظورهم للآفاق، وفي الوقت عينه الاستماع إلينا والتعرف علينا عن قرب.

بعد كل هذه المدة، كيف تنظر إلى موجة الاعتقالات حاليا في صفوف الصحافيين، بعدما كان هناك انفتاح على شخصيات معارضة، كما حدث في لقائكم المذكور؟

كنا نتمنى ألا يظل في بلدنا تضييق على حرية الإعلام وعلى الصحافيين والمدونين وكتاب الرأي، لكن، للأسف، لم ينجح المغرب في التخلص من هذا الوضع. الآن، لدينا صحافيون معتقلون ومدونون مدانون. وفي قضايا الصحافيين أصبحنا نجد أنفسنا أمام قضايا من نوع جديد. ففي قضية سليمان الريسوني، مثلا، تقدم القضية على أساس أنها تتعلق بطرفين؛ الشخص المدعي والصحافي المدعى عليه. وحينما نكون أمام هذه الحالة، نطالب بالمحاكمة العادلة. وهنا، تكون مسؤولية القضاء جسيمة، لأن عليه أن يحرص على معاملة الطرفين على قدم المساواة، وأن يصون حقوقهما معا، ويضمن لهما الحق في الدفاع عن النفس. ومسؤولية القضاء هنا لا تتمثل في أنه يتداول قضية زيد أو عمرو، بل إنه يباشر النظر في قضية تهم الرأي العام بكامله، وستكون لها آثار وتداعيات تتجاوز الشخصين. ودون الدخول في نقاش من قبيل هل هناك انتقام ما، فإن الكثيرين من الذين تابعوا القضية استغربوا اللجوء إلى تطبيق الاعتقال الاحتياطي، مع أنه كان يمكن أن تكون المتابعة في حالة سراح.

انتقلنا في هذا الحوار من تجربتكم إلى واقعنا الحالي، وتحدثنا عن نوافذ الحرية التي فتحت وأغلقت، والخيبات والآمال. هل تخيلت أنت أو بوبكر أو علي عمار أو علي المرابط أن تتابَعوا يوما بتهم جنسية، أو اعتداء على صحافية أو اغتصاب مثلي؟

كنا نقول في مهنتنا إنه يمكن أن تتابع على خطـأ مهني ارتكبته، مثل خبر زائف ترتبت إليه أضرار، فيتابعك من تعرض للضرر، وقد يطلب منك تعويضا، لكن، أن تُستعمل قضايا أخلاقية للانتقام، فهذا لم نكن نفكر فيه. لكن، هل هناك استعمال لقضايا أخلاقية للانتقام؟ بكل صراحة وموضوعية، ليس لدي ما يجعلني أحسم هذا الأمر.

لنتحدث من زاوية أخرى إذن، لم نسمع أنه في فترتكم حكم على صحافي بـ15 سنة سجنا لـ«الاتجار بالبشر»، ولا عن صحافيين توبعوا بالتحرش أو الاغتصاب. الآن، نسمع الكثير من هذا القبيل، هل هذا يعني أن هناك انحدارا في قيم الصحافيين، وأن الصحافيين كانوا سابقا أكثر أخلاقية من نظرائهم الآن، أم ماذا؟

الصحافيون المعنيون ينفون التهم. تابعنا الحالة التي كانت مقلقة جدا، وهي قضية هاجر الريسوني، حيث ارتُكِب خطأ فاضح، لكن جرت معالجته بسرعة، فظهر أنه كان اعتداء عليها وعلى زوجها حاليا. في القضايا الأخرى، المعنيون بالأمر ينفون. هناك قضية صدر فيها حكم، والمعني بالأمر ينفي، وقضية أخرى لم يبت فيها بعد… إذا كانت هناك جهات تلجأ إلى هذا الأسلوب، فهذا أمر خطير، ولكن إذا كانت تلك الوقائع صحيحة، فالمسؤولية تقع على القضاء ليبت فيها بشكل عادل.

كيف تلقيت ما يروج عن عمر الراضي من لدن السلطة وبعض الإعلام المقرب منها؟

في الواقع، أصبحنا نتابع مسلسلا لا ينتهي، فلا نكاد نخرج من حلقة حتى ندخل حلقة أخرى. والحقيقة أن ما يجري يدخل الدولة في حلقة مفرغة. والمؤسف أن السلطة جربت التضييق على الصحافة والصحافيين وعلى الحقوقيين في سنوات الرصاص، وفيما بعد في ما سمي بزمن الإنصاف والمصالحة، ولم تنجح في أن تقضي بالمطلق على الصحافيين الذين يصفهم البعض بالمزعجين أو الحقوقيين الذين يصفهم البعض بالمتشددين. وصدى ذلك نجده في تقارير المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الإعلام وحقوق الإنسان عن أوضاع الصحافة والحقوق والحريات في المغرب. وها نحن نتابع قضية ذات صلة بذلك تفجرت قبل أيام بين الحكومة المغربية ومنظمة العفو الدولية، بعد التقرير الذي صدر عن هذه الأخيرة، والذي يفيد بأن عمر الراضي تعرض للتجسس من لدن السلطات المغربية. لا أظن أن المغرب سيكون الرابح في مثل هذه القضايا، والرد الذي يمكن أن تربح من خلاله الدولة هو إطلاق الحريات، ومنها حرية الصحافة، واحترام حقوق الإنسان.

شارك برأيك